حلقات التحفيظ.. مرة أخرى!
في اتصال على الهواء مع برنامج الثامنة الذي يقدمه الزميل داود الشريان قال معلم تحفيظ القرآن الذي ضرب أحد تلامذته الصغار بوحشية داخل المسجد وسط ذهول التلامذة الصغار في حلقة التحفيظ، إنه لا يحمل ترخيص عمل وليس لديه إقامة!، أما رئيس الجمعية الخيرية في مكة المكرمة فقد كشف لعكاظ أن حلقة التحفيظ التي جرت فيها الحادثة (بكبرها) غير مرخصة!.. وهكذا مرحبا بكم في اليوم العالمي للمخالفات و(ما بعنا بالكوم إلا اليوم)!.
حين طرحت محاولة إصلاح أوضاع حلقات تحفيظ القرآن قامت الدنيا ولم تقعد، وانطلقت يومها حملات التهييج والتشويه ومحاولات تحوير الصورة من قرار إداري بضرورة إعادة تنظيم حلقات التحفيظ وتزويدها بالمعلمين السعوديين الذين تفيدهم المكافأة المالية بدلا من ذهابها لأشخاص من جنسيات مختلفة (بعضهم لا يحمل إقامة نظامية ولا ترخيص عمل)، إلى حكاية عجيبة غريبة ملخصها أن كل من يسعى لإصلاح الأوضاع العشوائية المقلقة لحلقات تحفيظ القرآن فإنه يمكن أن يتهم بمحاربة القرآن الكريم.
المثير أن والد الطفل المعنف قال إنه هو من طلب من المعلم أن يعاقب الطفل لسوء أخلاقه وقد يهدف من خلال هذا التصريح حماية المعلم ابن جلدته الذي قد يتعرض للطرد والترحيل أو لأنه فعلا يرى أن هذا هو الأسلوب الصحيح لتربية ابنه، ولكن مهما كان الأمر فإننا أمام مشهد يسيء إلى السعودية رغم عدم مشاركة مواطنين أو مقيمين فيه، ويسيء إلى الإسلام رغم أن المتسبب فيه غير مؤهل لتدريس القرآن الكريم ولا يحمل ترخيص عمل، وما هو أخطر من ذلك أنه يكشف عن مساحات عشوائية يمكن أن يتم فيها التعليم بالقهر، ومكمن الخطر أن عملية اختطاف العقل تصبح سهلة جدا فتتوفر فرصة توجيه هؤلاء الصغار إلى أمور قد لا تخطر على بال ذويهم الذين أرسلوهم إلى هذا المكان لتعلم القرآن بدلا من عراكهم المستمر في صالة المنزل.
حين نقول إن مسألة تصحيح أوضاع حلقات تحفيظ القرآن أصبحت ضرورية اليوم مثلما كانت ضرورية بالأمس لا نظن أننا نطرح رأيا غير معقول لأن غير المعقول هو الاعتماد على معلمين مخالفين لنظام الإقامة لم يجدوا عملا يتكسبون منه وغطاء يحميهم من عقوبات المخالفات الصريحة المتتابعة سوى تعليم القرآن في البلد الذي نزل فيه القرآن ويوجد فيه مئات الآلاف من المواطنين المؤهلين لتدريسه بمختلف الأعمار والمستويات متى ما تم تنظيم هذه المسألة وأصبحت المكافآت مجزية للمعلمين الذين سوف يوفر لهم هذا النشاط دخلا إضافيا.
صحيح أن التيار المتشدد دائما ما يتعامل مع كل من يبادر بتعديل أوضاع هذه الحلقات بذات القسوة التي تعامل فيها معلم التحفيظ المخالف مع طالبه الذي لم يجد ملجأ من الضرب العنيف سوى جدران المسجد، ولكن ذلك غير مهم.. فاستمرار الوضع الخاطئ تحت أنظار الجميع سوف يقود بالضرورة إلى أخطاء فادحة الثمن، وتطوير عمل هذه الحلقات وتنظيمها خطوة ضرورية من أجل نشر كتاب الله بالطرق العصرية الصحيحة أولا، وحفظ الأمانة التي تركها أولياء الأمور في هذه الحلقات والمتمثلة في فلذات أكبادهم ثانيا، وإغلاق الطريق أمام سيل هادر من المخالفات القانونية التي تمر جهارا نهارا تحت غطاء الدين ثالثا.
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"