.
.
.
.

مخاتلة (قصص الإرهاب وديانته)

جاسر الجاسر

نشر في: آخر تحديث:

لعل الحوار التلفزيوني الوحيد للأمير محمد بن نايف هو الذي «أداره» الملك عبدالله بعد تعرض وزير الداخلية لمحاولة اغتيال عام 2009. هذا الرجل قليل الحديث إلى حد الصمت يعتمد منهج سلفه وأبيه فلا يكون حديثه إلا معلومة محددة، وليس رأياً أو افتراضاً ما يعني أن ما يصدر عنه يؤخذ بجدية كاملة. في استعراضه لقوات أمن الحج، الأحد الماضي، كان له تصريح بالغ الأهمية حين قال: هناك دول وتنظيمات سخّرت إمكاناتها لتشكيل وخدمة «داعش». اللافت أنه لم يقل دولة وتنظيماً، بل استخدم الجمع ما يعني وجود شراكة مقننة في صناعة الإرهاب.

السؤال: من هـــي هـــذه الـدول وما سبب عدم الإفصاح عنها وإلــى مــاذا كانت تمضي؟ كل الطروحات الافتراضية تشير إلى إيران ونظام الأسد، فهل معلومات السعودية تتجه إلى أطراف أخرى أم أن مقتضيات المصلحة تقتضي الصبر والتقصي؟

لا بد من أن التنظيمات مؤسسات دولية نشطة تتوافر لها خطط هيكلية وسيولة عالية وأذرع استخباراتية حتى تتمكن من بناء تنظيم كهذا وإدارته، فلماذا لا يشار إليها صراحة؟

الإرهاب له دين واحد مهما تعددت مظاهره، وتباينت طروحاته لأن غايته التخريب والتدمير، سواء كان في السعودية أو الصومال أو نيجيريا أو لندن. السعودية تعرف خطه، ونبضات قلبه، وجيناته، وحامضه النووي، فهي تجالده منذ التسعينات، وبعد صدمة أيار (مايو) 2003 نجحت في السيطرة عليه، وتمكنت من تغيير المعادلة فأصبحت السباقة في ملاحقة الخلايا وإحباط عملياتها الإرهابية، وملاحقة مخططيها، ومدبريها في كل مكان. في كل مرحلة إرهابية كان هناك راعٍ وحاضن، فمرة سورية، ومرة اليمن، ومراراً وتكراراً إيران الشيعية الاتجاه والسياسة، ومع ذلك كانت ملاذ عناصر «القاعدة» السنيّة المتطرفة منذ أفغانستان حتى الآن في مفارقة لا يمكن فهمها، إلا في حال اليقين أن الخطاب الديني للتنظيمات الإرهابية مجرد استدراج وترويج.

لو أصغى العالم للسعودية عام 2005، لما ظهر التحالف الدولي وما سجل التاريخ مذابح مروعة حدثت قبل أشهر، ولبقي الناس في بيوتهم غير مشردين في المخيمات والصحارى والجبال، ولأمكن محاصرة الإرهاب ومنع دول وتنظيمات من إعادة إحيائه.

يقول وزير الداخلية إن: «أجهزة الأمن في السعودية استطاعت - ولله الحمد - في ظل ظروف واجهت فيها المملكة هجمات إرهابية شرسة لم تستثن جزءاً من هذا الوطن حتى الأماكن المقدسة دون اعتبار من الجماعات الإرهابية لحرمتها»، ونجحت في تحقيق ذلك، حتى أنها طهرت الحج من أن يكون ساحة صراع سياسي بأي شكل حرصاً على طهارته ونقائه وسلامة الحجيج.

رسالة محمد بن نايف مهمة، لأنها تؤكد متابعة السعودية لخط سيــر الإرهـــاب ومنـــابته ومحاضنه. وهــــي تحـــذير للدول الراعية فلم يعد في قوس الصمت منزع بعد أن جاوز الأمر حده، وبلغ الأذى منتهاه. إن الحرب على الإرهاب ليست سوى خطوة أولى تليها ملاحقة المسؤولين والممولين وهي الأهم والأبرز.

مع بدء الحرب ستتكشف المواقف، وتتدفق المعلومات، وتتفجر الخلافات، فلم يعد ممكناً الاختباء في الغرف المظلمة، وحينها سيقرأ الجميع قصص الإرهاب كاملة، ويتعرفون إلى دينه الفعلي وأصله.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.