.
.
.
.

رأس مدينتي مفقود

خالد الفاضلي

نشر في: آخر تحديث:

أتحدث هنا عن «رأس» أقل قيمة من منصب محافظ بقليل، ومن مسمى أمير منطقة بكثير، لكن عدم وجوده يعني أن المدينة يتيمة، أو ليس لها رأس، وربما كان غيابه عن سلم الوظائف الحكومية أحد أسباب «بَهَتان» خطوط التنمية، وأصابتنا بهزال حضاري مديد.

يقوم بالتوقيع على عقود تنمية مدينتي أسماء لا تتصل بها بشكل مباشر «محافظ محافظة» أو «أمير منطقة» أو «أمين أمانة»، يعني أنه توقيع بالنيابة أو بالوصاية عن رجل مفقود، وهو حاكم المدينة الغائب جملةً وتفصيلاً، كما أن غيابه يعني فقدان المدينة لإطار صورتها، هويتها، وروحها التنافسية مع مدن محلية أو عالمية.

تمتلك السعودية 13 كرسياً مخصصة لمنصب «أمير منطقة»، يتولون مهمة تنفيذ السياسات الداخلية للدولة على كامل الوطن السعودي، ويتفرع عنهم 114 كرسياً لمنصب «محافظ» مرشحة للزيادة، وكل محافَظة حاضنة لمدن وتجمعات سكانية عدة، وفي حالات كثيرة لا يوجد توافق جغرافي أو سكاني على امتداد سلطة المحافظة.

تمتلك كل مدينة روحاً خاصة بها، بعض المدن السعودية تتنفس حالياً من خلال كيانات مدنية لا حكومية، تحمل اسم «الغرفة التجارية»، لا يوجد في كل مدينة غرفة تجارية مستقلة، بينما فتحُ نافذة «حاكم مدينة»، أو إعادة تركيب رأس لها، يمنح كل مدينة خيارات لتأسيس دوائر تنمية ينحصر دورها في خدمة مدينتها، دائرة اقتصادية مثلاً، أو سياحية أو غيرها، وهي موجودة حالياً تحت سقف الغرف التجارية بمسميات اللجنة الاقتصادية، أو لجنة السياحة وغيرهما، لكن -وفق تصوراتي البسيطة- أعتقد بأنها تكاد تكون مجرد «لاجئ إداري»؛ بسبب غياب وطنها الحقيقي: مكتب حاكم المدينة.

يقول أهل جدة: «هذي حقتي أنا»، عندما يود أحدهم التمسك بما يريد، وكل مدينة سعودية -في تصوري أيضاً- بحاجة إلى مكتب حاكم يقول: «هذي حقتي أنا»، فتعدُّد الزوجات لا ينطبق على تعدد المدن، لأن عشق مدينة واحدة يكفي لامتصاص كل العاطفة والجهد.

أعيش وفق قناعة بإن المدن ذوات أرواح، ولديها مجسات عالية التحسس والتوجس، تشبه الفتاة المغناج، كلما بالغتَ في تدليلها لانت بين يديك، وكون المدينة من حجر لا يُلغي أبداً احتمالية إحساسها باليتم، وأنها أرقُّ من أرواح البشر، تتلمس الحنان، الاهتمام، الرعاية، وعندما يصلها من ذلك قدر كافٍ تتحول إلى «مدهشة، لافتة»، وكل أغاني محمد عبده، بما فيها «الله ما أرق الرياض تالي الليل».

حاولتُ كثيراً ولم أفلح -أثناء قراءة خريطة «النظام المحلي» بالسعودية- العثور على مسميات مختلفة أو توصيفات إدارية، تشير إلى وجود منصب «حاكم، أو عمدة، أو زعيم» لمدينة بعينها، له يؤول سواد المدينة وبياضها، وتتجمع بين يديه خيوط الحل والربط في مدينته، ويستطيع تمثيل المدينة بالأصالة، لا بالنيابة أو الوصاية، تكون مهمته تطوير كتلة سكانية على أرض جغرافية محددة، على رغم أن التركيبة السكانية لبعض مدننا تعادل تعداد دول تجاورنا فيها مجلس وزراء كامل

يلعب حاكم المدينة دور «خيط السبحة»، قد يكون أقل كلفة من «حُبيباتها»، لكن عدم وجوده يؤدي إلى «انفراطها»، ثم الانشغال بلملمتها، ومن يرانا من خارج الحدود يجدنا مجتمعاً مشغولاً كثيراً بمحاولة لملمة السبحة، فسبحان الله أول الأمر وآخره.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.