إذا حججت، فاترك الفرصة لغيرك

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

سبق لي أن أديت فريضة الحج قبل ثلاثة عقود تقريبا، ولم أكررها مرة ثانية، مقتنعا أن كل من يؤديها يجب عليه أدبا أن يترك الفرصة لغيره.
ولم يرفع ضغطي إلا واحد عندما سمعته وهو يقول مفتخرا: إنني قد حججت إلى الآن (16) مرة، فلم أملك لا شعوريا إلا أن أرد عليه قائلا: الله لا يعطيك العافية.
غضب من ردي معتقدا أنني أهنته، وحاول الاشتباك معي، غير أن أولاد الحلال حالوا بيني وبينه، وأخذ يلعلع موجها كلامه لي وهو يقول: ألا تعلم أيها الجاهل أن كل من يحج يعود خاليا من الذنوب كما ولدته أمه.
طبعا ولكي أقصر الشر، لم أذكر له (البلاوي المتلتلة) التي كان يفعلها طوال أشهر السنة، وكلما تراكمت عليه سارع للحج ليمحو ذنوبه ويعود طفلا كما ولدته أمه ــ على حد زعمه ــ ، ولا أدري هو يضحك على مين والا مين؟!
وبما أننا في هذه الأيام المفترجة، وقد ساعدت وسائل العلم الحديث من تخفيف العناء والمشقة على الناس، فاسمحوا لي أن أفتح أمامكم نافذة، أو صورا (بانورامية)، لما كان يتكبده الحجاج قديما من صروف العذاب، وإليكم ما كتبه أحد الحجاج الذي كان قادما من أقاصي الأرض إلى مكة، ويقول:
كان الوقوف بعرفة موقفا تقشعر منه الجلود من خشية الله، لإلتجاء عباده إليه حسبما أمرهم، وكانت الأرض تموج بالخلائق، ضارعين لربهم جل وعلا، وعند الإفاضة اتفقت مع ــ الحمار ــ والرفقاء على التأخر عن الازدحام، وأخذ الطريق الأقل ازدحاما، وكان دليلنا مضمرا خلاف ذلك، لأنهم إنما يرون من شعائر الحج الظواهر، وهم عن حقائق المشروعات غافلين، فيرغبون في اللكام، والزحام، والخصام، لتبقى لهم وقائع يتحدثون بها سنتهم، فلما أفضنا كانوا يسرعون السير، ومن عادة حميرهم أن لا تنقاد إلى راكبها، بل إلى سائقها فقط، فأدخلونا كرها في الزحام، ولم يبق منا واحد يسمع صوت صاحبه، لثوران عجيج الصياح، والرغاء، والنهيق، فمن حادٍ يحدو، ومن داعٍ يدعو، ومن مصرخ ينادي رفيقه، ومن صائحة تستجير بالمارة من سقوطها، ومن آن يئن من كسره بسقوطه، ومن باك متذكر هول المطلع، ومن بعير يرغو لسقوط حمله، وحمار ينهق لرؤية أتان، وأناس ملقاة، وآخرون يجرون، وآخرون يزدحمون، وآخرون واقفون والظلام مرخ سدوله، والناس لا يذكر بعضهم بعضا، كل طالب النجاة لنفسه، فرأيت أنموذجا لهول يوم الفزع الأكبر، وما أيقنت بالنجاة لنفسي حتى دهمتني بعض شقادف الجمال، فأسقطتني من حماري، وخرجت من بين أرجل الحيوانات متطلبا النجاة ذات اليمين، حتى يسر الله لي الخروج عن الطريق بالصعود على محجر مرتفع، فجلست هناك حامدا الله على النجاة. انتهى.
غدا يوم الوقفة، جعل الله حجكم مبرورا.
وبعد غد يوم العيد، جعل الله أيامكم كلها أعيادا.
ولن أكون معكم لا غدا، ولا بعد غد.

نقلاُ عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.