.
.
.
.

الإستثمار في كلمة ملك

هاني نقشبندي

نشر في: آخر تحديث:


لا بد من الوقوف عند كلمة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لحجاج بيت الله في منى قبل يومين. فرغم ان الكلمة أتت لتجدد التأكيد على الثوابت السعودية في خدمة الإسلام والمسلمين, إلا ان الحديث عن الإرهاب, ودور معلم المدرسة في تعليم طلابه أهمية الحوار وتقبل الآخر, هو أمر يستحق الوقوف عنده.
لا أعلم كم مرة طرح موضوع العلاقة بين المدرسة والتطرف على بسط البحث السعودية. لكن أن يطرح الموضوع على هذا المستوى السياسي وفي هذه المناسبة فذاك يشير ولا شك إلى مدى الوعي لما وصلت إليه الأمور, وإدراكا للعلاقة بين التعليم والغلو الديني ورفض الآخر.
لقد عانت المدارس السعودية من سلطة بعض المتشددين الدينيين في التعليم, والذين كانوا اكثر إرهابا للطلاب من الإرهابيين انفسهم. وقد كنت أنا شخصيا من بين الضحايا. وما زلت اسمع حتى اللحظة صوت العصى وهي تنهال على يدي لا لشيء سوى أن سألت معلم الدين لماذا لا يجوز ان نلقي السلام على رجل مسيحي.
وعودة الى خطاب الملك عبد الله سأضيف التالي:
الأولى, أن توجيه المعلمين لتعليم طلابهم معالم التسامح وتقبل الآخر يجب ان يأتي لاحقا لتنقية ما في بعض المناهج التعليمية الدينية من غلو. فلا يمكن ان ننتظر من مقاول بناء ان يشيد قصرا بالإعتماد على خرائط هندسية مليئة بالأخطاء.
النقطة الثانية, أهمية إعادة تأهيل الكثير من معلمي الدين, نفسيا ودينيا وإنسانيا. فمن واجب المعلم ن يدرك هو أولا أهمية أن يحاور الطالب, قبل ان يعلم الطالب كيف يحاور الآخر. المعلمون أنفسهم أيضا قد يكونوا ضحايا التهميش, وضحايا عدم وجود من يحاورهم. لذلك وجب تقديرهم وإعادة تأهيلهم ليكونوا هم القدوة للطلاب.
والأهم من كل ذلك ان تكون هناك رقابة على أداء المدارس التعليمية, ذلك ان الغلو والمبالغة والتطرف ما عادت حكرا على اساتذة الدين وحدهم, بل تكاد تكون المدرسة بأكملها مرتعا للتطرف.
الجزء الثاني الذي لفت انتباهي في كلمة الملك عبد الله, هو الإشارة المباشرة الى دور الأم والبيت. ولست ادري حقيقة أيهما اكثر تأثيرا في أبنائنا: المدرسة ام الأم. وسبب سؤالي الغريب هذا هو أن الأم السعودية قد تكون منصرفة كثيرا عن ابنائها. فهي ان كانت المدرسة الأولى للطفل, فإن على هذه المدرسة ان تحسن من سلوكها التوجيهي لأبنائها. وهو ما لا أراه قائما حتى الآن. فأين هي الأم من اطفالها الذين يشتمون ويصرخون ويلقون حتى بالقاذورات هنا وهناك؟ فإن كان هذا حالها مع اطفالها في شؤونهم اليومية, فما هو حالها معهم في شؤونهم الدينية؟ لكن لا ينبغي ان تكون الأم هي الملامة او المسؤولة وحدها, فالأب كثيرا ما كان غائبا عن أبناءه. والأكثر من ذلك والأسوء أيضا هو غياب الحوار معهم. فإن أخطأ المعلم في نقل رسالة الحوار الى طلابه, فإن الأب يخطئ بالمثل عندما لا يدرك أهمية الحوار مع ابناءه.
كلمة الملك عبد الله يجب ان تستثمر. لا يجب ان تكون مجرد رسالة عابرة. فهي أهم من كل الأسهم, ومن كل المباني العالية, والمشاريع العملاقة, لأنها تضع المجتمع على الطريق الصحيح.. وإلا ضاعت المشاريع وضاع كل شيء!

nakshabandih@hotmail.com

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.