هل تُلام تركيا بموقفها تجاه "كُوباني"؟

إبراهيم النحاس
إبراهيم النحاس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

مُنذ انطلقت الثورة السورية السلمية ضد نظام البعث بقيادة بشار الأسد، وجدت تركيا نفسها في قلب الحدث السوري بحكم الجوار الجغرافي الطويل (822 كم) الذي يربطها بسوريا. هذا المشهد السياسي استمر حتى ظهرت من جديد أحداث دولية تمثلت في ظهور جماعات وتنظيمات إرهابية مثل تنظيم داعش وما قابلها من تحالف دولي لمحاربة التنظيم الإرهابي الذي اتخذ من الساحتين السورية والعراقية أرضاً خصبةً للتنظيم والتجنيد والتنفيذ المباشر لأهدافه واجندته المتطرفة.
ونتيجة لأن التحالف الدولي الذي تم تشكله لمحاربة داعش لم يتضمن القيام بأعمال عسكرية بريه واكتفت بالضربات الجوية، وجد التنظيم الإرهابي داعش المساحة الجغرافية متاحة للتحرك والمناورة للفكاك من الضربات الجوية حتى وصل إلى مدينة كُوباني المحاذية للحدود التركية مع سوريا ويريد دخولها والسيطرة واعلانها مدينة تابعة لتنظيم داعش. عند هذه المرحلة ارتفعت الأصوات الدولية وخاصة الصوت الأمريكي لمطالبة تركيا بالتدخل العسكري البري لمواجهة داعش ومنعها من السيطرة على كًوباني. ولكن لم تأتي الإجابة كما تريدها الولايات المتحدة وغيرها من الأصوات الدولية والشعبية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وإنما طالبت تركيا بموقف دولي وعمل جماعي ضمن "استراتيجية شاملة". فهل تُلام تركيا على هذا الموقف السياسي؟
إذا أردنا الإجابة العاطفية والتي تُرضي الرأي العام في الشرق الأوسط، نقول أنه يجب على تركيا أن تتدخل عسكرياً وتستخدم جيشها وقواتها البرية لمنع داعش من دخول كُوباني، بل لتدمير قُدرات داعش البسيطة مقارنة بقدرات الجيش التركي قوي التسليح والتدريب، وكذلك تستطيع منع العمليات الاجرامية والارهابية التي سوف يقوم بها التنظيم الإرهابي اذا ما استطاع دخول كُوباني.
أما إذا أردنا الإجابة السياسية والتي تقوم على المنطق والحسابات الدقيقة للمكاسب والخسائر بالنسبة للدولة التركية، فإنها ستكون مؤيده لما قالته السياسة التركية من أنه يجب أن تكون هناك "استراتيجية شاملة" لمواجهة تنظيم داعش. ولعل تركيا أرادت من هذا التعبير السياسي الذي يتضمن في داخلة أهمية كبيرة تتمثل في استصدار قرار من مجلس الأمن يخول التحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش التدخل في الحدود الدولية للدول التي يتواجد فيها التنظيم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى أرى أن هناك عدة نقاط لدى السياسة التركية تتمثل في:
أولاً: لا تريد أن تظهر تركيا وكأنها دولة إقليمية معتدية على دولة أخرى لأن ذلك سوف يسبغ السياسة التركية تاريخياً بأنها سياسة عدائية وبأن جيشها لديه نوايا عدوانية تجاه جيرانه.
ثانياً: تدرك تركيا بأن الرأي العام في منطقة الشرق الأوسط وخاصة الرأي العام العربي سريع التقلب ويتأثر بالعاطفة أكثر من تفعيله للعقل. فالعقل العربي لن ينسى لتركيا تدخلها في سوريا حتى لو مضت عشرات السنين وقد يؤول هذا التدخل بأنه اعتداء في الوقت الذي تُطالب به تركيا بأن تتدخل في هذا الوقت. هنا تركيا لا تريد أن تكون في موقع الدولة المعادية للعرب خاصةً وأن التاريخ السلبي للعثمانية متجذر في العقل العربي.
ثالثاً: تدخل تركيا في الأراضي السورية قد يجعلها تبقى لفترات طويلة مما يعني صبغتها بصبغة دولة الاحتلال ويجعل الشعب السوري والعرب يطالبونها بأن ترحل بأي وقت. هنا الخوف التركي قد ينجر للأراضي العربية السورية المتمثلة في اقليم الاسكندرونة الذي أهدته الإمبراطورية الفرنسية في بداية الحرب العالمية الثانية لتركيا لدفعها لأن تدخل الحرب مع دول الحلفاء بقيادة فرنسا وبريطانيا وبعد ذلك الولايات المتحدة. وهذا ما لا يتمناه أي سياسي تركي من أن تعود المطالب التاريخية لتتجذر لدى الأجيال العربية الحاضرة.
رابعاً: تدخل تركيا قد يدخلها في مواجهة ثنائية مع تنظيم داعش مما سوف يرهق السياسة والأمن التركي في قادم الأعوام. وهنا يبدوا أن تركيا قرأت جيداً تحركات تنظيم القاعدة وما قام به من عمليات إرهابية في عدة دول في مختلف القارات. فتركيا تدرك بأن تنظيم داعش على حدودها الطويلة جداً مع سوريا والعراق (1174 كم) مما يجعل تعرضها لهجمات إرهابية في العمق التركي أمر وارد.
خامساً: تُدرك تركيا بأن تدخلها في دولة أخرى، سوف يعرضها لأن تتدخل الدول الأخرى في شؤونها وفي دعم جماعات وتنظيمات سياسية وارهابية في داخل أراضيها خاصةً وأن تعقيدات المسألة التركية كبيرةً ومتشعبة.
هذه بعض النقاط التي قد تكون في حسابات صانع القرار التركي من رفضه للتدخل البري لمنع سقوط كُوباني في يد التنظيم الإرهابي. لذلك فإن الحسابات السياسية تختلف تماماً عن الحسابات العاطفية أو الحسابات القائمة على تحقيق مصلحة بسيطة وآنية. نقول ذلك ونحن نؤمن بأنه يجب مواجهة التطرف والإرهاب أياً كان مصدره ومموله وحاضنه. ولكن هي مجرد نظره هادئة تجعل الرؤية أوضح وأدق في قراءة المستقبل.


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.