.
.
.
.

"الرأسمال اللغوي" المزيـّف في خطاب داعش!

الدكتور محمد سعد الدكان

نشر في: آخر تحديث:

يطرح الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، السؤال الآتي حول اللغة بوصفها"أخطر النعم"، ويجيب عنه :"كيف كانت اللغة أخطر النعم؟ إنها خطر الأخطار جميعاً؛ لأنها هي التي تبدأ بخلق إمكانية الخطر، والخطر: هو التهديد الذي يحمله الموجود للموجود، واللغة هي التي تُنشئُ على هذا النحو إمكانيةَ ضياعِ الوجود، أي: الخطر"( ). من هنا وعلى المستوى النظري والفلسفي يمكن الكشف عن جزء من خطورة تنظيم داعش، وعن زاوية من زوايا الرعب والعنف والإرهاب لديه من خلال هذه اللغة التي أثارها، والخطاب الذي اختار أن يثبت به وجوده، ويهدد به وجود الآخرين في هذا العالم !
عملياً، وبشكل واضح تبدو خطورة تنظيم داعش في كثير من المظاهر الإجرامية التي ارتكبها هذا التنظيم، والتي كثر الكلام عنها، في تقارير ومقالات وحوارات وندوات، حول حجم هذا الدمار الهائل ، الذي ما زال حياً ومشتعلاً، وبراكينه ما زالت تلقي بحممها على السهول والأودية هنا وهناك من أطراف العالم، من قتل وحشي، وقطع للرؤوس وركلها بالأقدام، وصلب الناس في الميادين والشوارع، والانتقام الطائفي، والتصفية الهمجية للمخالفين، والغدر بهم، ونحرهم غيلة، والتنكيل بالنساء والأطفال، ورميهن بالحجارة، والإبادات الجماعية التي يرتكبها هذا التنظيم بكل توحش، إلى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي حلقاتها من لغة العنف والدمار والإرهاب والخراب، هي لغة خطيرة لأنها تحمل في تجاويفها _كما قال هايدغر_ التهديد الخالص الذي يحمله هذا التنظيم، للكيان الإنساني برمته، عربيه وغربيّه، سيراً معاكساً تماماً للتوجيه الإسلامي الأبرز في لغة المواجهة : "لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، وتغلوا ...".
لقد تعددت المقاربات والقراءات والمقالات حول (داعش : التنظيم) ، و(داعش: الظاهرة)، تنوعاً وتعدداً وصل إلى حد الالتباس وعمى الألوان في بعض تجلياته، وأسئلته الساخنة الملتهبة، التي ما زالت تدق باب الذاكرة العربية والعالمية باستمرار، وكلما أوشكت سَبحة هذه الأسئلة أن تنتهي عادت الكرّة من جديد، وبإجابات مختلفة، وهذا يعني بلا شك أن سؤال (داعش : التنظيم، وداعش الظاهرة)، هو سؤال لم ينتهِ إلى قرار، ولم تأت الكلمة الختام فيه، ما دام أن هذه السلسلة الوحشية التي يرتكبها هذا التنظيم ما زالت ترى أن أمامها شوط طويل هذا أولاً ، كما يعني ثانياً –وهنا مربط الفرس- في هذه المقالة ، أن تتنوع المقاربات والقراءات لهذا التنظيم، تنوعاً كيفياً كما تنوعت كمياً، وهذا ما حدا بي إلى تقديم هذه المقاربة اللغوية لـــ (داعش: اللغة .. والخطاب) ، بعيداً عن الحديث المعاد والمكرر حول (داعش: التنظيم، وداعش: الظاهرة)، وهي مساهمة لغوية للدخول في الأزمة (أزمة الإجابة عن سؤال داعش)، ومشاركة في رفع سقف الوعي اللغوي تجاه هذا التنظيم، وأن اللغة هي مصدر من مصادر خطورته المدمرة!
إن أهم وسيلة لدى هذا التنظيم كي يثبت خطورته للعالم هي "اللغة"، بوصفها سلطة، يحاول هذا التنظيم استغلالها، بشتى أنواع الاستغلال لأي سلطة . كتب رولان بارت:" السلطة قائمة كامنة في كل خطاب نقوم به"( )، و:"الشيء الذي ترتسم فيه السلطة ومنذ الأزل هو اللغة، أو بتعبير أدق: اللسان"( )، والتاريخ والواقع يحفظان الكثير من المواقف التي إنما استمدت عظمتها وخلودها من خلال ما قيل فيها من خطاب، وما استُخدم فيها من لغة، ذلك لأنها أداة تتجاوز حدود التعبير والتواصل، إلى المحاولة للهيمنة وإثبات السلطة، خاصة لدى المنتمين إلى المجتمعات الشفاهية الخطابية، المأخوذة بالكلمة وأسرها وتأثيرها، وهو ما ينطبق تماماً على المنتمين إلى هذا التنظيم، في سوادهم الأغلب، فكيف استغل هذا التنظيم "سلطة اللغة"؟ وكيف أثبت خطورته للعالم من خلالها؟
تظهر ملامح استغلال سلطة اللغة لدى تنظيم داعش من خلال جملة من الأساليب التي ظهرت في لغة الخطاب لدى هذا التنظيم، منذ التأسيس وإعلان النشأة ، من ذلك ما جاء في التسجيل الصوتي الذي حمل اسم "هذا وعد الله،" على لسان المتحدث باسم التنظيم، قوله: "هذه راية الدولة الإسلامية، راية التوحيد عالية خفاقة تضرب بظلالها من حلب إلى ديالى وباتت تحتها أسوار الطواغيت مهدمة وراياتهم منكسة وحدودهم محطمة وجنودهم ما بين مقتولة ومأسورة ومشرذمة والمسلمون أعزة والكفار أذلة وأهل السنة سادة مكرمون وأهل البدعة خاسئون خانسون.. وها قد فكت الأسارى بحد السيف والناس في ربوع الدولة منتشرون في معاشهم وأسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم وقد عينت الولاة وكلفت القضاة وأقيمت المحاكم لفض الخصومات ورفع المظالم وأزيلت المنكرات وأقيمت في المساجد الدروس والحلقات وصار بفضل الله الدين كله لله، ولم يبقى إلا أمر واحد واجب كفائي تأثم الأمة بتركه واجب منسي ما ذاقت الأمة العزة منذ أن ضُيع ألا وهو الخلافة واجب العصر المضيع."
هنا يجنح هذا الخطاب إلى استخدام مطية البلاغة، ومحاولة ترصيع خطابه بها، عن طريق زراعة الكلمات ذات المضارب الحادة، والعزف على وتر الأساليب النضالية اللغوية، المستمدة من مدونة الحرب كالقتل والأسر، والأسوار، والعزة، والذلة، والسيف...، إلى غير ذلك من "الرأسمال اللغوي" المزيف في هذا الخطاب، كما أن من مظاهر استغلال سلطة اللغة لدى هذا التنظيم، لإثبات خطورته ، والإيهام ببسط الهيمنة، قيامُه على سياسة الإغراء اللغوي، من خلال الظهور بمظهر القدرة على التمكن بثقة أمام المخاطب منذ "التسجيل" الأول، وهذا ما حاول التنظيم إظهاره على لسان المتحدث باسمه في هذا الإعلان، وهو في هذا لا يهدف إلى قول الحقيقة، بل في إيهام المتلقي بأن ما يقوله هذا الخطاب على لسان المتحدث به هو الحقيقة، والحقيقة بريئة !
هنا في مثل هذه الخطابات تظهر المراوغة اللغوية، وجهاً من وجوه الاستغلال لسلطة اللغة، في خطاب هذا التنظيم، من خلال محاولة إيهام المتلقي بأنه في حضرة الخطاب المخلِّص له وللعالم من كل أزماته الماضية والقادمة، محاولة لإقناع المتلقي بامتلاك مفاتيح الحل والدواء لأدواء الواقع، خطاب يحاول تعميق واقع التيه والضياع والحيرة والاغتراب في ذات المتلقي، بدل الإسهام في تقريبه من ذاته ومن واقعه المحيط به، عبر هذا النوع من اللغة المتسلطة المتمردة، التي تتظاهر –عبر هذا التسجيل- بمظهر المدينة الفاضلة، التي يحلم بها متلقي الخطاب، بكل المقومات الخيالية الوادعة للمدينة الفاضلة، بأمنها، وعدالتها، ورفع مظالمها، وإزالة منكراتها، وإكمال دين العالَم –الافتراضي- الذي ينتمي إليها: (وها قد فكت الأسارى بحد السيف والناس في ربوع الدولة منتشرون في معاشهم وأسفارهم آمنين على أنفسهم وأموالهم وقد عينت الولاة وكلفت القضاة وأقيمت المحاكم لفض الخصومات ورفع المظالم وأزيلت المنكرات وأقيمت في المساجد الدروس والحلقات وصار بفضل الله الدين كله لله).
ولنا أمام هذا النموذج فقط، الذي هو إعلان التأسيس لــ(الخلافة)، ومبايعة (الخليفة) ، لنا أن نسأل –لغوياً- كم هي المسافة الهائلة جداً التي نلاحظها بين اللغة التي يتحدث بها هذا التنظيم والواقع المحيط به؟ بين منتج هذا الخطاب والعالم الذي يتعايش معه؟ ثم بعد ذلك : أيُّ متلقٍ مستهدف لهذا الخطاب؟ إلا ذلك المتلقي البسيط الساذج، واسع الغفلة، عديم الحيلة أمام الواقع، يسهل اقتياده إلى الصفوف، من خلال هذا النوع من اللغة الخطيرة ، لهذا التنظيم، الذي ما انفك عن محاولاته في توسيع المسافة بين الأشياء في هذا العالم وبين مكانها الطبيعي: الأمن للأوطان، والأمان للإنسان، هذا الإنسان، الذي هو هدف هذا التنظيم وضحيته في الوقت نفسه، منذ الصرخة البريئة الأولى وحتى الصمت الأخير!
إن اللغة هنا كما هي سلطة، فهي أيضاً مسؤولية، حين ينادي أهلها المنتمون إليها بعضهم بعضاً، في حقل الدراسات اللغوية، إلى ضرورة الكشف على مغالطات هذا الخطاب، ومآزقه وارتباكاته الظاهرة والخفية، ومغالطاته، من زوايا لغوية مختلفة، وبأضواء متعددة الألوان، وبآليات متنوعة المشارب، مقاومة لهذا التنظيم من زاوية اللغة، إنها دعوة إلى الدخول في خط المواجهة اللغوية، لهذا التنظيم، عبر مقاربات تهتم بــــ"الخيط والإبرة"–بتعبير هنري جيمس- في الالتفات إلى شكل الخطاب ومضمونه على حد سواء، داخل النسيج اللغوي لهذا التنظيم، محاولة لجعل الاهتمام بالمحاربة اللغوية لهذا التنظيم موازية للمحاربة على المستويات المتنوعة الأخرى، والمناداة بعقد التحالفات اللغوية الحجاجية والإقناعية تجاهه، في هدم حججه الوافدة، وأفكاره المضللِّة، في واحدةٍ من تجارب اللغة، حين تصاحب الإنسان في أزَمَاته، بمناهجها ونظرياتها، فيتحول البحث اللغوي من خلال هذه التجربة إلى (مفاعِل) معرفي حيوي، وطاقة تغييرية متجددة ومواكبة، يخرج منها النقد بأدبياته ، وتحليل الخطاب بأدواته، من عتمة الزوايا التطبيقية التقليدية الضيقة، إلى شمس الحدائق العامة!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.