.
.
.
.

فقدان القدوة بالمجتمعات الإسلامية

د.منصور الشمري

نشر في: آخر تحديث:

المستشرق الهولندي فنسنك يعتبر من أشهر المستشرقين بالعالم، وأكثرهم تأليفاً، وإبداعاً، وقد تعلم اللغة العربية وأجادها، وله في البلاد العربية من يناصره ومن يعارضه، وهذا يتضح من خلال الإعلام المصري على وجه الخصوص، وفنسنك لم يكن حضوره التاريخي لمجرد اهتمامات ونزوة عاطفية، بل كان خاضعاً لمشروع رعاية ودعم متواصل وطويل، وحتى نعرف حجم هذا الاهتمام النوعي، فمجرد الوقوف على أساتذته يجعل العقل متوقفاً لبرهة، فيعتبر كبار المستشرقين مثل هوتسمان ودي خويه وهورخرونيه الذي كان آنذاك مستشاراً بالمستعمرة الهولندية بإندونيسيا، هؤلاء الأساتذة هم من أعطوا الأدوات المعرفية كاملة لتلميذهم فنسنك حتى أبدع وقدّم لهولندا المعرفة، ولقد اشتهر فنسنك بجدليته حول إباحة الخمر بالإسلام، كذلك قوله بأن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) جمع بين اليهودية والنصرانية.

حصل عام 1908 على درجة الدكتوراه وكان عنوان رسالته (محمد واليهود في المدينة)، وكانت هذه الرسالة محط تفنيد ونقاش لدى المهتمين بالاستشراق والمستشرقين حتى اليوم. يعتبر فنسنك هو أول من دعا إلى العمل على المعاجم المتعلقة بالنصوص الإسلامية، فقام بالاستعانة بعدد من الباحثين من مختلف البلاد بلغ عددهم 38 عالماً لمشروع (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) الذي يعتبر مرجعاً مهماً لطلبة العلم الشرعي الإسلامي على وجه الخصوص، وشرع العلماء بعمل البطاقات لهذه المادة، ولقد مات عدد من الباحثين أثناء هذا المشروع الضخم، كما أن المستشرق فنسنك هو الآخر مات أيضاً ولم يكمل هذا المشروع، إلا أن الفلسفة الأوروبية لا تتوقف على الأسماء، فأُكمل هذا المشروع حتى أصبح مرجعاً لكل باحث، ولقد أسهمت 7 دول أوروبية بدعم هذا المشروع دعماً مباشراً، ولقد قضى المستشرق فنسنك في هذا المشروع أكثر من 20 عاماً، وجاء أن المستشرق فنسنك كان مميزاً، جاداً، صبوراً، يحمل هدفاً يحارب من أجله سواء اتفقنا معه أو اختلفنا إلا أنه من الإنصاف أن ندرك قيمة هذا الجهد.

إن المشاريع العالمية هي التي تصنع الإنسان وتقدّمه كرمز يحتذى به، وقدوة للأجيال، وإنّ المجتمعات عندما تغيب عنها الرموز العلمية فهي ستبحث عن رموز افتراضية، وهذا الذي أوقع الكثير من المجتمعات الإسلامية اليوم في مأزق غياب (القدوة)، وأصبح الجيل يرجع للماضي القديم مستصحباً الحنين إليه، ففقد اتصاله بواقعه ومجتمعه ووطنه، وهنا مكمن الخطورة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.