حكام العراق الجدد وهويتهم الإيرانية
في مقال سابق تحت مسمى (العبادي وهوية العراق السياسية)، كتبت فيه الرؤية التي يتأملها منه مواطنو العراق الأصليون، إضافة لجيرانه العرب والخليجيين، وأن تعود إلى العراق هويته العربية ومكانته المرموقة ذات الحضارة العريضة والمتعددة.
فالعراق وبامتلاكه لهذه المكونات والتي تجعل منه -بلاد الرافدين- البلد المميز، البلد الذي يرسم سياسته بنفسه وهو من يؤثر في إقليمه وليس من يتأثر به بسهولة. لكن ما نراه اليوم ليس عراق الأمس عراق الحضارة، عراق الرقم الصعب في المعادلة الدولية، فقد تغير ذلك كله، فقط لأن حكام العراق اليوم قد ارتضوا أن يكونوا مرتهنين لإيران ولسياساتها الطائفية الميليشياوية.
وكل ما تريده إيران اليوم من العراق أن يكون جسرا تمرر عبره سياساتها الطائفية والتوسعية، فوحدة العراق وأمنه آخر اهتماماتها، فهي تريد أن يبقى العراق ضعيفا، لأنه وبذلك يسهل عليها اختراق بغداد وجعله معتمدا عليها، كما يتيح لها ذلك التمكن من مفاصل الدولة العراقية وإدارة ملفها الأمني والخارجي، ولكن لماذا يريد حكام العراق اليوم ذلك؟
سنتحدث عن المرحلة الآنية مرحلة العبادي، وما سنقوله ليس تحاملا عليه وإنما قراءة للواقع الحالي، فالعبادي اليوم هو رئيس الوزراء الجديد للعراق الذي لقي الترحيب من قبل المملكة العربية السعودية. وكان المأمول منه أن يرد على هذا الترحيب بالانفتاح على الدول العربية من قبل العبادي، خصوصا السعودية كونها الجارة الأكبر، لكن الغريب ما سمعناه من العبادي واعتراضه على اعتذار السيد بايدن عندما اتهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات الشقيقة بدعم المتطرفين.
فماذا يريد أن يقول العبادي؟ وهل يعي ما يقول حقا؟ أم أن هذه زلة لسان أخرى سيعتذر عنها كما اعتذر بايدن. أيضا في تصريحات سابقة له رفض التدخل الجوي في العراق من قبل القوات العربية المنضوية تحت التحالف في الحرب على داعش، فهل سيرفض التدخلات والوجود الإيراني في أرض وسماء العراق؟
نرى العبادي بعد أن أكمل عقد حكومته يشد الرحال إلى إيران كأول محطة خارجية لزياراته. بعد أن قام بزيارة المرجعية الشيعية في العراق – السيستاني- وكأنه بذلك يحصل على تأشيرة الدخول لإيران، والتي بدورها ستقبل أوراق اعتماده وكأنه بعدها سيكون سفيرا لطهران في زياراته الخارجية الأخرى. أيضا هناك الكثير من الخطوط العريضة على تعيين وزير داخليته محمد الغبان.
والغريب في هذا التعيين أن الغبان هو مرشح منظمة بدر والذي كان مرشحا لنفس المنصب زعيم منظمة بدر هادي العامري، وقد تم رفضه من قبل البرلمان. واليوم يعين آخر من نفس الحزب، ومن الأعمال المناطة إليه هي محاربة الفساد الإداري والمالي، وأن يعمل على حصر السلاح بيد الدولة، وهذه هي الطامة الكبرى يأتي من أكبر ميليشيات عراقية، وتمتلك جل السلاح الموجود لدى تلك الميليشيات. فكيف له أن يصادر سلاح حزبه وهي كذبة كبيرة. فالعراق الطائفي الميليشياوي لا يقوم إلا على الميليشيات الشيعية التي عملت على إنشائها إيران بعد أن خرجت الولايات المتحدة من العراق. وحتى لا يقال إننا متحيزون أو نوجه سهام الانتقاد للعبادي بطريقة طائفية. سأنقل لكم حرفيا - ما كتبته التايمز البريطانية تحت عنوان.
"الدعوة إلى تغيير مسار الحملة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، وجاءت افتتاحية التايمز تحت عنوان "الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية يجب تغير مسارها". وقالت الصحيفة إن الحرب ضد التنظيم يجب ربحها بشكل حاسم لضمان عودة الاستقرار الحقيقي للعراق". وأضافت الصحيفة أنه لتحقيق ذلك فعلى الحكومة العراقية التي يترأسها حيدر العبادي والذي يصفها بأنها "حكومة الوحدة"، العمل على معالجة مشكلة جوهرية، ألا وهي القتال الطائفي، لذا فإن تعيين العبادي لمحمد سليم الغبان في منصب وزير الداخلية، وهو شيعي مسلم، يثير الكثير من التكهنات. فالغبان، وبحسب الصحيفة، ينتمي لفيلق بدر الذي أقدمت فرق الموت التابعة له على قتل العراقيين، بحسب انتمائهم الطائفي خلال الحرب".
إذا كان هذا هو رأي الصحيفة فهذا دليل على أننا لا نتحامل على العبادي، وإنما هذا هو حال العراق اليوم. وهذا رأي الأستاذ عبدالرحمن الراشد في مقاله اليوم في الشرق الأوسط تحت عنوان (العبادي يقول إنها حرب نفسية).
فالعبادي لم يبن لنفسه بعد شخصية تباعد بينه وبين المالكي. لايزال مشروعه السياسي الموعود بالمصالحة مجرد كلام، وهذا يعني تحول الحرب من "داعش" وبضع جماعات متمردة إلى حالة حرب أهلية. هذا هو الكابوس المرعب الذي يفترض أن تفكر فيه الحكومة الجديدة. "داعش" جماعة إرهابية وسيقاتلها العراقيون، سنة وشيعة، وسيقاتلها معهم العالم، لكن الحرب الأهلية تعني أن على العبادي وحده أن يحارب فيها".
فالعراق بحكامه اليوم ليسوا أكثر من موظفين لدى طهران وكأنهم يحكمون في إقليم من أقاليمه، وهذا ما سيعمل على تمزيق العراق وبث روح الطائفية والفتنة وجعله أكبر بيئة حاضنة للإرهاب في المنطقة، فهذا سيولد الإرهاب الطائفي- الميليشياوي ويتبعه بجر الطرف الآخر إلى الإرهاب المضاد. فالإرهاب في المنطقة مصدره إيران وكل من تحالف معها وسعى في خراب البلدان العربية باستخدام الميليشيات التابعة لإيران.