.
.
.
.

هل قتل المبتعثين السعوديين جائز؟

سارة مطر

نشر في: آخر تحديث:

تحدث معي زميلي أحمد العيسى مساء الأحد الماضي وهو يصارع ألمه وحزنه وانكسار قلبه، فقد طلب مني في ذلك المساء أن أقوم بعمل "ريتويت" عبر "تويتر"، لكي أصحح للجميع خفايا مقتل ابن خالته، الذي تعرض للدهس والموت قبل أن ينشف دم الضحية الطالب المبتعث محمد البادي، جاء ألم العيسى بعد أن حكيت قصصاً غير صحيحة أو واقعية عن مقتل ابن خالته البادي، وكان يريد مني إيضاح الحقيقة لمستخدمي برامج التواصل الاجتماعي، فالقصة التي تم تداولها ونشرها لا تمت للحقيقة بصلة، وكنت متعاطفة جداً مع ألم العيسى لفقدانه لصديقه وابن خالته، والحقيقة أن القاتل لم يكن صديقاً للقتيل، بل دخل إلى "الكمباوند" الذي يسكنه محمد البادي، وقد كان في حالة سكر شديدة، وحينما ذهب البادي ليطلب مساعدة رجال أمن "الكمباوند"، لحقه الجاني وقام بدهسه ليموت محمد على الفور، وسط ذهول أشقائه ومن كانوا معه في الشقة.
القصة محزنة جداً، فالجاني والمجني عليه مبتعثان سعوديان، ذهبا على حساب الدولة لإكمال دراستهما الجامعية، ولكن للأسف هذا ما حدث، وقد جاء مقتل البادي بعد أيام قليلة جداً، من الصدمة التي تعرض لها المجتمع السعودي، بعد اكتشاف جثة الطالب المفقود ـ يرحمه الله ـ عبدالله القاضي، الذي اختفي في لوس أنجلوس في ظروف غريبة، لكن تم العثور عليه لاحقاً مقتولاً في موقع صحراوي جنوب ولاية كاليفورنيا، منتصف ليلة الخميس الماضي على بعد 200 كيلومتر تقريباً باتجاه الجنوب الشرقي، وتحدثت الصحف على أن عملية العثور على جثة القاضي، كانت إثر بلاغ وصل إلى الشرطة يفيد بوجود جثة لشاب، وعلى الفور توجهت شرطة لوس أنجلوس وعثرت عليه هناك و70% من جسده محروقاً، وقد أبدت المملكة كلها صغيرها وكبيرها حزنها الشديد على مقتل الشاب، وسارع عدد من المواطنين بمواساة أسرة القاضي المفجوعة بفقدانها لابنها، وأنا اتفق مع المواطنين الذين حملوا مسؤولية تأخير العثور على الجثمان إلى الجهات الرسمية في أميركا، والتي كان باستطاعتها تحديد موقع القاضي عبر هاتفه، لكن السلطات للأسف رفضت ذلك بحجة عدم إمكانية التتبع إلا عن طريق إذن قضائي، سامعين إخوتي وأخواتي إذاً في حال مقتل أي أميركي في المملكة، لا بد أن نتأخذ إجراءات روتينية مطولة، طبقاً لما تقوم بها السلطات الأميركية، فالعين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.
وقبل البادي والقاضي، تعرضت الطالبة المبتعثة ناهد المانع إلى القتل في بريطانيا، وقد رجحت شرطة كوليشتسر البريطانية أن السبب قد يرجع لدوافع عنصرية دينية، بعد علمها بأن الطالبة المقتولة كانت ترتدي الحجاب لحظة طعنها في الرأس والصدر، على بعد 400 متر من جامعة إيسكس البريطاينة، وللعلم فالجميع يشهد للفقيدة ناهد مدى لطفها واحترامها، حيث يقول أحد جيرانها إنها كانت على الدوام تحييهم عندما كانت تمر بالجوار، فيما علق أحد أساتذتها في المعهد على أنها كانت من المبتعثات اللاتي كن على خلق، وقد أتت للدراسة وتطوير لغتها الإنجليزية، وأنه لا يصدق حتى الآن أنها قتلت.
وبين كل هذا وذاك يبقى فقدان الطالب السعودي المبتعث للدراسة في أستراليا مشعل السحيمي غامضاً حتى الآن، وناشدت أم السحيمي ابنها المفقود قائلة: "مشعل إذا كنت تسمعني فأخبرني أنت وين؟ كلنا محتاجينك، أبغى صوتي يصل لمشعل، ما أبغى يسمعني أحد ثاني"!
ومن وجهة نظري أنه لن يتم التوقف عن قتل المبتعثين والمبتعثات، لأسباب كثيرة، أن أعداد المبتعثين كبيرة للغاية، ولا يوجد هناك حرص تلقائي من الأسرة التي تقوم على ابتعاث أبنائها في عمر مبكر للغاية، غير مدركة أهمية وجودها وتواصلها الدائم معهم، وطبعاً هناك خلل واضح من قبل الملحقيات الثقافية لسفاراتنا في الخارج، في عدم الاجتماع الدائم والمنتظم مع الطلبة والطالبات، ووضع برامج وأنشطة متنوعة تسمح لهم بالالتقاء مع مسؤول الملحقية، وأقل ما يمكن للملحقية أن تقوم به هو أن تضع خدمة تلفون طوارئ، تقدم مجاناً للطالب والطالبة في حال تعرضهم لأي خطر يمكن أن يداهمهم.
وقد أشار البعض إلى أنه لا بد أن تكون من شروط الابتعاث تشديد شروط السيرة والسلوك على المبتعثين، وأنا ضد ذلك، فهل يعني ذلك أن أي طالب تعرض في فترة مراهقته للسجن بسبب سلوك ما قد قام به، أن يحرم من الدراسة ومن تغيير مستقبله إلى الأفضل، بسبب ماض لربما تاب عنه توبة نصوحاً، ومن ثم فمن تعرضوا للقتل كانوا من أسر في غاية الاحترام والثقافة والنبل الكريم، وهذا يتضح من خلال اللقاءات التي تم إجراؤها معهم على أجهزة الإعلام.
ولكن يتبادر إلى ذهني الآن، لماذا قبل "الابتعاث" لم نكن نسمع بسيرة قتل للطلبة والطالبات الذين يتم ابتعاثهم على حساب أسرهم؟ هل هو عدم وعي المبتعثين على حساب الدولة بأهمية الدراسة، وبأنهم يحملون مسؤولية كبيرة أهمها المحافظة على أنفسهم؟ إضافة إلى أن هناك عددا كبيرا من الخليجيين المبتعثين، ولم نسمع إلا نادراً عن مقتل أحدهم، إذاً هناك إشكالية كبيرة علينا أن نفيق لها، حتى إنني بدأت في التساؤل المر، هل مقتل مبتعثينا في الخارج بات حلالاً؟
رحم الله المقتولين جميعهم، وجعل مثواهم الجنة.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.