على خطى العرب

محمد الدبيسي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

وقدة إبداع وفرادة رؤية، قادت أستاذ العلوم السياسية الدكتور عيد اليحيى، إلى فكرة برنامجه (على خطى العرب)، الوثائقي المتميز الذي تبثه قناة العربية مساء السبت من كل أسبوع. كما يسجَّل للقناة موقفها الواعي بتبني إنتاج هذا البرنامج والقيام عليه، وتقديم جانب من جوانب تراثنا الأدبي الشعري من خلاله، برؤية تغاير الطرح التقليدي، وتستدبر أجواء الاستوديوهات الباردة، وتفارق الصورة النمطية ومألوفها السائد والجامد، الذي كثيراً ما ألقى بظلاله على مثل هذه البرامج واحتكر شكل تقديمها. وهو ما تجاوزه هذا البرنامج باتجاهه إلى حيوية الفضاءات والأمكنة التي انبثق ذلك الشعر من باحاتها، وتكوَّن بين وهادها وسهولها وحزونها وجبالها وأوديتها، وتخلَّق كائناً جمالياً حياً دفَّاقاً بالفكرة والحسِّ الإنساني والمعنى، من تضاعيف الأطلال والأثافي والدمن، في تلك المغاني والأمكنة، التي جاسها فريق البرنامج، مترسِّماً آثار (خطى العرب)، ليضع الشاهد/ النص، على المكان ذاته، الذي شهد ولادات الشعر وطفولته الأولى. كيما يبعث زمنه الغائب، ويوقظ صمت الأمكنة على إيقاع حركة الصورة وخطوات الإنسان، بكل ما يقتضيه الإيقاع الحركي من حيوية وجاذبية ونبض حي، وانعتاق من التقليد، واقتحام للجديد.
أما الملمح الثقافي في البرنامج، فيكمن في رسالته المعرفية الضمنية، التي تعيد التذكير بغنى وثراء مكونات المكان الوطني/ شبه الجزيرة العربية، التي حوت جُلَّ ميراث العرب الثقافي، والأدبي، والشعري، وتاريخهم وأيامهم. وتتوجَّه إليه بحس انتمائي ومسئولية. وبإمكانات الإعلام الجديد، وحيوية تقنياته في استيعاب الأفكار، وتحرير الرؤى من نمطية المعتاد، في وسائل العرض والتقديم.
رسالة كهذه.. أبعد ما تكون عن عقل تلفزيوننا الرسمي، وأفق القائمين عليه، الذين هم أبعد أيضاً عن ابتداع طرح يليق بذائقة ووعي المشاهد، وبالتاريخ والثقافة، فضلاً عن الحفاوة بالعقول الفذة والأفكار الخلاقة.
24 ألف كم، جابها صاحب (خطى العرب) وفريقه الفني المساند، في أرجاء الجزيرة العربية، بحثاً عن موقع وترسُّماً لأثر، وتتبُّعاُ لمشاهد الشعر والشعراء، ليعقد ثنائية النص والصورة، والشاهد والمكان؛ ولينعقد ويتكوَّن المعنى. في فضاء بصري حقيقي ممتد، وألوان وأمكنة متعددة تنقَّل بينها، وأزياء متنوعة تشي بعراقة ما أو ترمز إليها، وأداء مسرحي عفوي يجيده اليحيى، وهو يعيد تلاوة قصائد الشعراء، ويعرض قصصهم، ويقف على رسوم ديارهم.
أما البعد الوثائقي في هذا العمل الرصين، فليس محطَّة الشعر المألوف والمتداول منذ مئات السنين، والمتوارث والمعروف نقلاً ورواية خلالها، والموثَّق في المجاميع الشعرية المحقّقة. ولا الأمكنة التاريخية التي سجَّلت كتب تاريخ البلدان مواقعها، بل في نقل بصر وبصيرة المشاهد وطاقات التلقي لديه؛ إلى معاطن الشعر ومنابت وجوده الأولى في تلك الأمكنة بمسافاتها وعلاماتها الأصيلة، من جبال ووهاد وأودية وشجيرات، استلهم الشعر جوهرها في نسيجه، منذ الجاهليين ومن بعدهم.
هذا التعالق الحميم بين النص والصورة الحركية، وبين مقدم البرنامج وزوايا رؤية الكاميرا ومساحة استيعابها لتفاصيل وانعطافات ومحطات المكان، وتغاير مواقيت التسجيل صباحاً ومساءً وشروقاً غروباً، وإعادة تدوير عملية النقل البصري باتجاه معاكس لذلك، ما يجدد حيوية السياق النصي والبصري الحركي والأدائي للبرنامج، ومضامينه ورسالته المعرفية، وهو ما يمنح النص الشعري طاقة غير جوهره النصي المحض، بمعنى إعادة عرضه بمصاحباته وأجواء ولادته ومحاضنه، التي أحاطت بانبثاقه في الوعي والحياة، وتقديم الأمكنة والمواقع التاريخية بمواصفاتها الحية، ومظاهرها المباشرة.
وفي تقديم الشعر وأيامه عند العرب، على تلك الهيئة المخالفة لكل أنساق تلقيه التقليدية، ما يقف بالشعر والوعي والتلقي ومقتضياتهما من بصر، وذائقة واستيعاب للمعنى، على صعيد جديد للتصور، أو هو التصور الحقيقي لمحاميل النص وأبعاده، وأيضاً ليس ذلك التصور منغلقاً على إطار الصورة الحركية للمشاهد والأمكنة، بل فتح أفق التصور على إمكانية خلاقة، لفاعليته في تركيب النص وتنزيله على أي مجال أراده المتلقي والمشاهد للهيئة التصورية التفصيلية التي كانت عليها قصائد الشعراء.
إن (على خطى العرب) وهو يعيد تقديم جزء من تراثنا الأدبي والثقافي، برؤية تحترم ذلك التراث وتعي قيمته الفكرية، وتدرك حساسية العصر ومزاجه ومعطياته، ومن ثم تحترم المشاهد؛ فإنها تفتح أفقاً مبدعاً وخلاقاً لآليات ووسائل تقديمه، وإعادة الاعتبار إليه عند قرائه ومتذوقيه والمعنيين به.

نقلاً عن صحيفة "مكة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.