زوابع الفناجين

عبده خال
عبده خال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

نحن نعيش في وعاء اجتماعي ناقل أقاويل، وحينما تقف على هذه الظاهرة تصل إلى موقفين متطرفين، إما أنه باحث عن البلبلة (وهذه لها تجويفات ومقاصد أظهرتها الفتن التي حلت ببعض الدول المجاورة)، وإما أن يكون الناقل مهذارا ولا يرى فيما ينقله من قول أي ضرر على المجتمع أو الأفراد، وفي الحالتين فالمعطى انتشار الأقاويل في كل زوايا المجتمع بما لا يولد وعيا أو فهما لكل التراكمات القولية، فتكون المحصلة ترسيخ الأكاذيب والادعاءات والآراء، والتي من الممكن نقضها بآراء مضادة، إلا أن الاستسلام لكل ما يقال يجعل نقضها صعبا للغاية.
وتأتي مقولات بعض الشخصيات معرقلة ومربكة لحركية المجتمع والدولة معا، وقد مررنا بمثل هذه المقولات التي صنعت زوبعة وتجاذبا بين أطياف المجتمع ما زال بعضها يحدث الفرقة والتنابذ، فمعركة جامعة (كاوست)، ومعركة الابتعاث، ومعركة معارض الكتاب، ومعركة رجال الحسبة، ومعركة اختيار شخصيات نسائية في مجلس الشورى، ومعركة (لكاشيرة).. معارك لا حصر لها كان مبعثها مقولة لشخصية اعتبارية يرددها الأتباع، وينفخون فيها فتظهر زوابع الفناجين، وكل يوم لنا زوبعة في فنجان، وآخرها ما أثارته إحدى الشخصيات من تهجم على بعض عضوات مجلس الشورى واتهام من طالب باشراك المرأة في مجلس الشورى أو المجلس البلدي بأنهم رؤوس أفاعٍ، وهذه المقولات قد تعتبر وجهة نظر خاصة يمكن الرد عليها (قولا بقول) أو دعوة بتقاضٍ، إلا أن الأمر في مجتمعنا يأخذ صيغا أخرى، وهي صيغة التأليب واعتبار كل ما تفعله الدولة يدخل ضمن التغريب، وكأن هذا الشيخ عندما يستخدم جهاز الكمبيوتر هو يستخدم منتجا إسلاميا، فكل التقنية التي نستخدمها هي تقنية تغريبية (بنفس منطلق تلك المفاهيم)، ولم نفلح في إنتاج شيء حتى ملابسنا الداخلية، ومن هنا يمكن القول إن كل منتج تقني هو ابن ثقافته، فإن سمحت لنفسك استخدام كل التقنيات التغريبية فأنت بالضرورة تستهلك ثقافة هذا المنتج.. هذا إذا أردنا التبسيط، أما قضية التغريب فهي الحجة الواهية التي اتخذها البعض لإيقاف الحياة في كل مكان. ولو أن الدولة انقادت لمثل هذه الآراء ــ منذ وقت مبكر ــ لبقيت حياتنا مظلمة، والظلمة تكون في الأفعال والأقوال أيضا، وكما تمارس داعش ظلمة الفعل، فهناك دواعش لظلمة الآراء، فكثير من الآراء معتمة لدرجة تشعرك أن قائلها خارج الزمن (ومطفي الأنوار).
وأصحاب ظلمة الآراء وجدوا من زمن مبكر، ولو أن عمر بن الخطاب ــ رضى الله عنه ــ انساق لهم لما تحركت الأمة شبرا واحدا، ولو أن عثمان بن عفان ــ رضى الله عنه ــ أخذ بآرائهم لما ركبنا البحر إلى اليوم.
الكارثة أن الأتباع صم عمي يسيرون في متون هذه الآراء، فتتولد لدينا زوابع الفناجين كل يوم.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.