.
.
.
.

بين جيلين!

مساعد العصيمي

نشر في: آخر تحديث:

ننظر من خلال بلادنا بحسرة وألم للجيل الجديد ممن هم تحت سن الثلاثين، نلوك الخوف والقلق على مستقبلهم، ليس إلا لأنهم جيل نتوقع أن ينتظره ما ينتظره من الويلات والاختلافات، وكأن العالم من فرط تباين يطاله سيتغير في أية لحظة، ولذا سيكون هذا الجيل غير محظوظ، وعلى عكس الذي سبقه، ذلك الذي تنعم بكل الخيرات وعرف الهدوء والاستقرار وسط العالم المستقر كثيرا المضطرب قليلا.
تلك توطئة تشاؤمية لكننا نحسبها هي الحقيقة وتعبر عن الحال في ظل المتناقضات الجارية، والاختلافات الظاهرة، ناهيك عن الأيدولوجيات الدينية التي باتت تطل برأسها أشد مما كانت عليه في السابق، غير أن تنازع الأفكار بين القوى العالمية الذي تمثله أميركا وروسيا والصين في أوج تواجهه واختلافه.. وعليه وكون العالم بات حارة صغيرة وليس قرية كما يقولون فإن الكل سيشترك في المعمعة والتواجه ولن ينجو منها أحد.
أعود للجيل الجديد لأقول إن همهم سيتجاوز المسليات والمتطلبات والرفاهية التي كان عليها الجيل الذي سبقهم، لذا ستكون تجربتهم أعمق وأكثر فائدة بل سيكون بمقدورهم استشراف المستقبل بموضوعية مفيدة. يفرض ذلك الوضع القاتم من حولهم وبما يجعلهم يأمنون شره بالتقرب منه ومعرفته أكثر.
نعم سيكون بمقدور هذا الجيل أن يتعلم كثيراً من التجارب المريرة للجيل الذي سبقه، جيل الاندفاع والأموال، جيل التسلية، جيل البحث عن الربح السريع، ذلك التوجس الذي قاد هذا الجيل الضائع إلى أن يحمل مسمى الجيل المادي لكل ما يراه مسليا، ليعرف بعضه الاندفاع فكرا وعداء وتعصبا من فرط الفراغ المجتمعي، وبما أضافت إليه ألقاب جيل الارتباط المتسرع سواء كان زواجاً أو صداقة وحتى عملاً.
الجيل الجديد سيكون وسط معمعة الصعاب بعد ما أفنى الجيل الذي سبقه نفسه في الضياع والجري وراء الأوهام، والبحث عن الترفيه والرحلات والتنعم بما أفاض الله على هذه البلاد من نعم، ليكون حريا بأن يقرأ تجربة من سبقه ليعرف ويتعلم من سوء تجربته وفشلها، يتعلم من انغماسهم في الترف أو في التطرف، ليكون الحالي ذا امتداد يتعلم منه، رغم أنه لن يملك الأموال، لأن من سبقوه أيضا قد عبثوا بها، لا يملك الترفيه الجيد، لأن من سبقوه قد أفسدوها، لا يملك التطلع المبني على استراتيجيات حقيقية، لأن من قبله قد عبثوا بكل الاستراتيجيات والتطلعات والعلاقات مع الآخرين، لكن هو سيكون أكثر علما، وأكثر بعداً في النظر، لأنه سيجد في جيل الخائبين متسعاً لتدارك الأمر، لكن وفي النهاية لا بد أن يكسب، لأن عهد الربح السريع والبحث عن الترفيه والملذات على حساب الوقت والعمل لا بد أن يولي إلى غير رجعة.
المهم في القول إنه وفي ظل التناقضات والمتلاطمات الصعبة جدير أن نعمل لأجل هذا الجيل الجديد الواعي المدرك بما حدث حوله وما أفسده من سبقوه، لا بد أن نمد له يد العون، هو بحاجة إلى مساعدة الدولة والمجتمع والمؤسسات، كي ينطلق قوياًّ سليم التفكير والتوجه. لا تركه في غياهب المتناقضات ودعاة الأيدولوجيات، وأمام خذلان من سبقوه يتخبطونه، ويمنحونه من تجاربهم الخائبة التي زادت من ضبابية مستقبلنا.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.