شاهد من أهلها !
أخونا الدكتور السيد عبدالعزيز معتوق حسنين استشاري أمراض الباطني والسكري، الكاتب العكاظي عضو الجمعية العمومية في مؤسسة عكاظ وغير ذلك، كتب قبل أيام مقالا جيدا تحت عنوان «الطب في زمن البزنس»، قال في مقدمته: «عند التخرج يودع الطبيب الحياة الجامعية ويقسم على أن يحافظ على حياة الإنسان، ولكن للأسف الشديد عندما ينخرط في عالم المادة يتحول هدفه من المحافظة على حياة الإنسان إلى القضاء عليها!» ، ويستطرد سعادته قائلا: «هذا ما نجده اليوم واضحا في مجتمعنا الطبي الذي ضاع فيه الرقيب الذاتي وأخلاقيات المهنة وتحكيم الضمير» ، مذكرا زملاءه بقسم «أبو قراط» الذي تلوه عند التخرج داعيا إلى وضع لوائح وأنظمة تعالج الأخطاء الطبية وتفرق بينها وبين المضاعفات التي قد تحصل للمريض أحيانا حتى لو كان الإجراء الطبي المتخذ لصالحه سليما مطالبا بدراسة إنشاء مجلس أعلى للأطباء!.
وتأتي كلمات أخينا الدكتور الحسنين باعتبارها شهادة شاهد من أهلها ولذلك تعتبر شهادة قوية موضوعية لاسيما أنه يعتبر من أشهـر الأطباء الاستشاريين في مجاله وقد سبق له المشاركة في علاج شخصيات قيادية كبيرة في هذا الوطن، كما أنه قد بلغ أشده وزاد عليه ربـع قرن فهو ليس ممن يلقي الكلام على عواهنه بل إن ما قاله ينم عن رصد دقيق لأحوال بعض العاملين في المجال الطبي والصحي وإن كان يؤخذ عليه في مقاله أنه عمم ولم يبعض والتعميم في مثل هذه الأحوال ظالم، وقد سبق الدكتور الحسنين في نقده لزملائه الأطباء طبيب سعودي كتب قبل خمسة عقود سلسلة من المقالات تحت عنوان قرآني جميل هو: «وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك».
وما دام أن موضوع تحول الطب في بعض أحواله إلى بزنس قد فتحه الدكتور الحسنين فتحا مبينا فإني أساهم معه ببعض ما يتداوله المجتمع حول «بزنسة» مهنة الطب ومن ذلك على سبيل المثال:
أولا: قيام بعض إدارات المستشفيات والمستوصفات الخاصة بإلزام الأطباء على إجراء تحاليل مخبرية لا داعي لبعضها حتى يرتفع دخل المستشفى أو المستوصف ويكون للطبيب «المتعاون» نسبة من رسوم تلك التحاليل، وأن الذي لا يتعاون من الأطباء مع الإدارة في هذا المجال فإن مصيره إنهاء عقده في أقرب فرصة ممكنة، ولذلك يضطر الشرفاء من الأطباء ــ وقليل ما هم ــ إلى الحصول على خروج نهائي لكي لا يشاركوا في استغلال المرضى وفق الأسلوب البشع الذي تأمرهم به إدارة المستشفى أو المستوصف!.
ثانيا: الحرص على أكبر قدر من الربح، وذلك يؤدي إلى التعاقد مع المتردية والنطيحة والمنخنقة لأنهم يرضون بأجور أقل فتصبح مصاريف التسيير أقل والدخل الشهري أكبر، فتكون العملية تجارية صرفة تغيب عنها الجوانب الإنسانية أو تتضاءل حتى لا ترى بالعين المجردة «وكله عند العرب صابون»!.
ثالثا: يقوم بعض الأطباء الاستشاريين الذين يعملون أعضاء في كليات الطب وطب الأسنان، ممن يكتسبون شهرة ويحققون نجاحا بالتعاقد مع بعض المستشفيات الخاصة وفي ذلك خير، ولكن التكالب على المادة يجعل بعضهم يهملون القيام بواجبهم نحو طلبتهم في الجامعات ونحو مرضاهم في المستشفيات الجامعية فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم ووفقهم للقيام بواجبهم خير قيام.
وعلى أية حال فإن شهادة الدكتور عبدالعزيز حسنين ينبغي ألا تغضب زملاءه الأطباء لأن من كان منهم محسنا مؤديا للواجب والأمانة فإن ما جاء في المقال لا يعنيه ومن كان مقصرا في واجبه فإن بإمكانه تدارك نفسه قبل فوات الأوان!.
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"