.
.
.
.

حدائق الاستثمار

محمد أحمد الحساني

نشر في: آخر تحديث:

قبل ما يزيد عن نصف قرن أنشئت في أم القرى حديقة عامة في حي الزاهر ففرح الناس بها وقالوا: أول الغيث قطر ثم ينهمر!، ولكن أمانة العاصمة المقدسة قامت «مشكورة» بتأجير تلك الحديقة العامة على مستثمر بمبلغ زهيد فأنشأ صالتين للأفراح وألعابا كهربائية، واستمرت الحديقة السابقة تؤجر كلما انتهى العقد حتى تاريخ كتابة هذه السطور!
وبعد ذلك بسنوات قليلة أنشئت حديقة عامة ثانية في منطقة «دقم الوبر» في بداية مشعر مزدلفة وأعلن يومها أن الحديقة ذات المساحة الواسعة سوف تكون أكبر حديقة عامة في مكة المكرمة، ولكن تلك الحديقة ما لبثت أن أجرت ليكون جزءا منها مقهى للشباب وجزء آخر صالة أفراح لليالي الملاح، ولكن مشروعي المقهى والصالة فشلا فأهملت الحديقة سنوات عديدة ثم اقتطعت أجزاء منها لصالح الطرق المجاورة المؤدية إلى مزدلفة ولم يعد يسمع عنها خبر أو يرد لها ذكر في أحاديث المكيين!
وبعد ذلك بشرت الأمانة الأهالي بحديقة المسفلة وأنها ستكون على طراز فريد، خاصة أن المبلغ المعتمد لإنشائها هو مائة مليون ريال وقوته الشرائية تعادل في الوقت الحاضر ثلاثمائة مليون ريال على أقل تقدير، وقال الأهالي عندما سمعوا بالمشروع «الثالثة ثابتة!»، أي أن حديقة المسفلة سوف تظل حديقة عامة ولن تلحق بأختيها حديقة الزاهر وحديقة دقم الوبر، ولكن ما حصل بعد اكتمال بناء الحديقة أنها سلمت لمستثمر أو أكثر، فأنشئ في جزء منها صالة أفراح وفي الجزء الثاني ألعاب كهربائية وما زال الأمر كذلك حتى تاريخه!
إن من قدر له زيارة بعض دول العالم المتحضرة، بل والنامية وحتى الفقيرة منها يجدهم يحرصون على الإبقاء على المساحات الخضراء وعلى إنشاء الحدائق العامة وحدائق الأحياء فلا يقوم تجمع سكني مكون من عشرين أو ثلاثين برجا أو عمارة أو فيلا سكنية إلا ويكون في وسطها حديقة تخدم سكان تلك العقارات، إضافة إلى حديقة أو عدة حدائق عامة لخدمة سكان المدن والمحافظات ولكن حوالي عشرة أمناء مروا على الأمانة خلال خمسة عقود لم يغيروا من واقع الأمر شيئا ولم يزل أطفال وأسر أم القرى محرومين من الحدائق العامة وليس أمامهم إلا «مواقف السيارات» المزفلتة للتجمع عليها وسط السيارات والبغال والروائح الكريهة والنفايات والغبار ولا شيء غير ذلك!
وأقرأ في الصحف المحلية أخبارا عن إنشاء حدائق عامة فأفتش عنها فلا أجدها ثم أفهم بعد ذلك أن المعنى بعبارة حدائق عامة بعض الجزر المزروعة التي تتوسط الشوارع أو تقع تحت الجسور أو مجاورة لبعض الطرق، فأقارن بينها وبين ما سبق لي رؤيته في دول شديدة الفقر فأحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.