الفكر العربي ولقاءات الأسئلة
لم أتمكن في السنوات الثلاث الأخيرة من حضور مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي، ويبدو أن بعض ظروفي الشخصية سيحول بيني وبين أكثرها سخونة واشتعالاً عندما يبدأ الأسبوع القادم في المملكة المغربية. كل ما خرجت به من حضوري المتقادم في لقاءات الفكر العربي هو ما يلي: أولاً، أن أيامها الثلاثة القصيرة تمثل أكبر "سوق حرة" لتلاقح الأفكار وروعة الاختلاف إلى الحد الذي تكاد تشك معه أن هذه المعارك الفكرية تدور تحت سماء عربية عرفت بالقمع والكبت والصرامة.
ثانياً، تعلمت في دهاليز مؤتمرات مؤسسة "الفكر العربي" أن الحوارات الجانبية خارج صندوق المسرح الرسمي تمثل أعظم تجمع عفوي لكل "الانتلجنسيا" العربية. هذه الحوارات الجانبية على هوامش اللقاء تمثل أفضل حالة "استقراء" لما قد يكون.... وما زلت اليوم أتذكر ما قاله لنا الراحل الكبير محمد عابد الجابري في حفل عشاء بيروتي، وفي بيت ثري سعودي: عالمنا العربي مقبل على عاصفة قاتلة لن ينجو من تبعاتها سوى شعوب "الممالك" لأن الأسر الملكية برهنت أنها أقرب إلى حاجات شعوبها.... أتذكر أيضاً قوله إن مشكلة الأنموذج الملكي لا يمكن تطبيقها على شعوب لا تملك مقومات العقد الاجتماعي بين الشعب وبين الأسرة الحاكمة.
ثالثاً، وهو الأهم، خرجت من حضوري القديم للقاءات "الفكر العربي" بخلاصة جوهرية تبرهن أن "الفكر" العربي مازال في مرحلة الأسئلة. نحن نحضر إليها بشوق جارف، وبالمئات، ولكنني اكتشفت أن قادة الفكر وسدنة تشكيل الرأي العام في هذا العالم العربي لا يختلفون أبداً في شيء عن الحضور المستمع إليهم في ندوات ومحاضرات الفكر العربي: كل فرد من هؤلاء، محاضراً أو مستمعاً، يأتي إلينا وهو مشحون بالأسئلة. نخرج من هذه اللقاءات ونحن نحمل مزيداً من الأسئلة، وعذراً، لا شيء من الأجوبة. نخرج من لقاءات "الفكر العربي" تماماً مثلما يخرج المريض من عيادة "الباطنة" بتشخيص دقيق للأورام والأمراض ولكن... بلا عيادة للجراحة. سأعيد التقريب والتشبيه، أروع ما خرجنا به من آلاف الأسئلة على متن وهوامش لقاءات الفكر العربي ليس إلا حالة الضياع و"التوهان" التي جعلت هذا العربي شبيهاً بمسافر ضل الطريق إلى مفاتيح المستقبل فلم يبق أمامه سوى بحر الأسئلة من شاكلة: أين... كيف... لماذا... ومتى وكل أخواتها. هي أعظم لقاء عربي لطرح الأسئلة ولو لم يكن لها إلا هذا لكفى، لأنها بكل اختصار لا تملك شفاء الأجوبة، هي تملك تشخيص المرض ولا تملك أدوات علاجه.
نقلاً عن صحيفة "الوطن"