.
.
.
.

درس عماني

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

إن العقل مطالب بتحرير الإجابات على الأسئلة العابرة والإقرار بمعرفة ما ينبغي وما يكون من باب معيار الاختيار، لأن الفرد كثيراً ما يتذكر شيئاً رآه مرة واحدة فقط، كما جاء في تحليل برغسون في كتابة المادة والذاكرة حيث لجأ إلى التمييز بين ما يسميه الذاكرة الحركية والذاكرة النفسية، فإذا كانت الأولى مجرد عادة تتطلب التكرار وتقوم على الآلية ولا تعطي اعتباراً للزمان والمكان، فإن الثانية حالة نفسية بحتة لا تتطلب التكرار بل الاهتمام والانتباه والأهمية في الحاضر.

وعلى هذه الصورة يشعر الإنسان بتنامي فطنته كلما تقدم به الزمان فتكون الحوادث ملائمة لسلوكه وأساليب حياته في الحياة الراهنة، على عكس المراحل السابقة التي تعرض فيها لحوادث مشابهة أو أقل وقعاً ولكن تكون ردة الفعل صادمة له ولمن حوله فعندما يتذكرها يشعر بالخجل مما بدر منه تجاه الآخرين.

وغني عن القول أن نذكر بعض الحوادث الحديثة التي سببت ألماً كبيراً في النفوس وهي حادثة الإحساء وتباين ردة الأفعال وخسارة الأرواح البريئة بسبب التطرف الذي زرعه الماضي المنغلق في نفوس الأجيال وأوجد العداء بين المذاهب وقد كان عصر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام عصر تحالف وتعايش بين المسلمين واليهود فالحياة أرحب من أن تُغلق، ولنعرض صورة جميلة للمجتمع العُماني الذي اصطفت فيه جميع المذاهب للصلاة هنا على أرضنا صفاً واحداً شيعة وإباضية وسنة خلال حضوره لتشجيع منتخبه في دورة خليجي 22، ولنا في هذا الدرس مثال حي لنبذ الطائفية لدى أشقائنا العمانيين.

وفي معرض صياغة بعض الأحداث سأذكر حوادث غريبة وعجيبة في الماضي كان لها وقع مذهل على عقول الناس وردة فعل تتعلق بتحريم ركوب الدراجة ومنح الرخصة من إمام المسجد، لقد أوجدوا ميادين خصبة للجدل، علقت جميع الصراعات الداخلية على الأديان، فيما تسلسلت تلك الأحداث التي تحرّم تعليم البنت خوفاً من تحررها من العادات والقيم والتقاليد، ولا شيء مبهج على الإطلاق، وتكفير أصحاب الفضائيات الذين رفعوا أطباقها على سطوح المنازل، ومع مرور الزمن تأكد هؤلاء المتشددون أن الحياة تتطلب قنوات إخبارية ودينية ورياضية.

للأسف إن الإنسان العربي خلال العقود السابقة وضع كل جديد في جِراب إمام المسجد ليرسم له طريقه ويصنع حياته وفق قناعاته ما جعل هذه الأمة تقبع في جهل طويل، لا يوافق التسامح ولا التدين الصحيح ولا الحياة المنطقية برمتها، ارتبطت حياتهم برؤى قديمة قاصرة لا تولي الفرد أي أهمية وتسقط دوره كعضو فاعل في المجتمع بل جعلت منه تابعاً ومتبوعاً دون أدنى علم.

وإن خلاصة ما يجب قوله في هذا الجانب أن الطبيعة الإنسانية تتوق إلى الحوار والتآخي والتسامح والممكن وتنبذ العنف والتسلط والحرب، ولكن عندما انحرف هذا الإنسان بفضل العوامل المحيطة من اختلاف كبير بين الأجيال وكان التشدد والتطرف سيد الموقف لم يوجد المجتمع إلا جماعات لها اهتمامات خاصة لا تخدم إلا مصالحها وتيارها، وأخرى تناهض وتعارض تطالب بقيادة المرأة وسن قوانين تبيح تلك المحظورات التي يرون في مجملها منافية للدين، وفي الحقيقة هي ردة فعل غير مكافئة، وسلوك نفسي يحتاج إلى تقنيات ملائمة لكي تنسجم مع العصر.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.