غرور الفيزيائي و خَبَل الفنّان !
مثل كل أحد تقريباً ، يحس أهل الفن بوجودهم ، ما يميّزهم عن الآخرين النقيصة في تمام هذا الحس ، ليس التمام و لا الإضافة ، إنهم أقل يقيناً مما يظن الآخر ، أقل يقيناً بحقيقة هذا الوجود ، و لأنهم بحاجة مُلحّة إلى تأكيده ، يتمسكون بخيط الدخان الواهي و غير المتماسك بطبيعته و الذي اختارت له البشرية اسم : الموهبة ، و بإبرة الوهم يغزلون منه ثياباً تطير بهم ، أو يفتلون بيد الحيلة منه حبالاً ، ما أن يُقبض عليها بقوّة حتى ترتفع بهم دون جهد جسدي كذلك الذي يفعله الرياضي و المُحارِب ، يُفتش الفنّان عن روحه لأنه فيما يبدو غير متناغم مع جسده بشكل أو بآخر ، ليس لأنه لا يظن نفسه وسيماً أو متناغم الأعضاء ، هذه فيما لو كانت عقبة عند البعض ، فهي عقبة أولية سهلة التجاوز غالباً ، ورطتهم أكبر و أكثر تعقيداً من السطحي ، يشعرون بنقيصة الفناء ، مُزاداً عليها ربما حتى ذلك الشعور بأنهم أتوا متأخرين أو قبل أوانهم ، زمنهم لا يستوعبهم ، و يريدون التمدد ، إلى الأمام و إلى الوراء أيضاً ، يريدون الزمن ، و لأنهم يعرفون أن ذلك مُحال ، يزيدون عليه رغبة أخرى ، يريدون الزمن مع عدم تخليهم عن لحظتهم الراهنة ، يريدون كل مكان دون مقايضة بالتخلي عن مكانهم الذي هم فيه ، و لأنهم يعرفون أنهم يطلبون محالاً ، يبدأون اللعبة : يتنازلون عن معرفتهم حفظاً لحقوق المُحال ! ، يمحقون معرفتهم كل لحظة و على قدر ما يستطيعون بمعرفات جديدة ، يتلذذون بتناقضاتها ، فلا شيء مثل التضاد يميت الشيء و يحييه في فعل واحد ، و هم بحاجة إلى فناء الشيء حتى لا يُحْبَسوا فيه ، لكنهم بحاجة مماثلة إلى إحيائه و إبقائه حيّاً على الدوام كي يمارسوا عليه مهمة الإماتة و الفناء ! ، في كل فنان مبدع جزء " آينيشتاني " يريد الزمن ، الفرق أن الفيزيائي يريد صيغة تجعل منه متحكماً في الزمان ، الذي يغدو التحكم في المكان نتيجة من نتائجه و ظلالاً له ، الفنّان ليس قاسياً إلى هذا الحد ، لا يريد التحكم في الزمان و لا المكان ، طلبه أبسط لكنه أكثر خَبَلاً ، يريد أن يكون هو الزمان و المكان ، آينيشتاين حرّض الإنسانية على سباق الزمن و تجاوزه ، أشار إلى الطريقة و الطريق : سرعة الضوء ، و كل ما يريده الفنان هو أن يكون الضوء نفسه ، و هو لذلك حين يُبدع : يُشِع !