الدّنوّ العذب : موهبة !

فهد عافت
فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

نحب الأشياء التي تثيرنا ، غير أننا نحب أكثر تلك الأشياء التي تثيرنا بطريقة غامضة ، لذلك أقل أهل الفن سحراً هو الساحر ! ، الذي يقف على المسرح ليقدم لنا عرضاً سحرياً معتمداً على خفة اليد و مهارة التدريب و مساعدة التكنولوجيا ، كل لاعب سيرك هو فنان ، لكنه و في أعلى قمته ، أقل من الرياضي ، ذلك لأن ساحر السيرك يثيرنا على نحو أقل غموضاً من لاعب كرة القدم ، مثلما أن رجل الحبل في السيرك و مهما بلغت به مهارته يثيرنا على نحو أقل من لاعب الجمباز الموهوب ، لماذا ؟ ، لأن ساحر السيرك و الماشي على الحبل المشدود ، قدّما لنا إثارة نعرف بوجودها سلفاً ، فلا مكان في السيرك لساحر بلا قبعة يفتحها خاوية ثم يهزها فتظهر أرنب أو حمامة ، نغفر له بتواطئ يستلزمه الفن أن أرنبه مخدّرة شبه نائمة و أن حمامته لا تجيد الطيران ! ، و هو يتنافس مع زملائه السحرة في ابتكار ألعاب جديدة نعرف حتى مستقبلها : أن تُحفظ ! ، و الأهم أننا نحضر العرض و نحن على يقين من أنه تدرب على ما يفعل أمامنا ، تدرّب كثيراً ، بنفس القياسات تامة غير منقوصة ، ذلك ما يجعل إثارتنا أقل غموضاً مما يمكن لها أن تكون مع لاعب كرة قدم ماهر ، الغموض الذي تثيره فينا مغامرته أكبر ، ذلك لأنه تدرب و مارس كل ما يمَكّنَه من إتقان عمله نعم ، غير أن الكرة التي وصلته الآن لم يسبق لها أن وصلته في ظروف سابقة متطابقة القياسات تماماً ، و ما سيفعله بها و من خلالها الآن ، هو ذاته لم يكن متأكداً من معرفته قبل فعله إياه ، و لن يكون واثقاً من نجاحه قبل أن ينجح حقّاً ، بما في ذلك مارادونا و زين الدين زيدان ، الأمر ذاته يجعل من الممثل الكوميدي على المسرح أكثر قدرة على استخراج ضحكات صميم القلب من مهرج السيرك على ذات المسرح ، و لذلك يظل الأدب أعلى شأناً من الرياضة ، فالدّنوّ العذب الذي هو ميزتها جميعاً ، و الذي هو أصيل في الشعر تحديداً على نحو قاطع ، و الذي هو أكثر أصالة في الموسيقى ، هذا الدّنوّ العذب ، قادر على إثارتنا بغموض أشد ، بل إنه عاجز عن اثارتنا دون غموض عميق ، و في عجزه هذا تكمن قوّته ذات العنفوان !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.