.
.
.
.

الشرير بين الليبرالي و «الداعشي» !

أحمد الحناكي

نشر في: آخر تحديث:

عندما يتحدث أحد الكتاب عن مطالبة له بإصلاح، يطلقون عليه ليبرالي، وعندما تطالب أو يطالب آخر بقيادة المرأة السيارة يقال إنه ليبرالي، ولو تحدث عن حق للمرأة أقره لها الدين، وصموه بالنعت أو الوصمة نفسها، إذا سمّيناها كذلك، ولكن ما الليبرالية؟

أحد التعريفات المجمع عليه أنها: فلسفة سياسية أو نظرة عالمية تقوم على قيمتي الحرية والمساواة، تختلف تفسيرات الليبراليين لهذين المفهومين، وينعكس ذلك على توجهاتهم، ولكن عموم الليبراليين يدعون في المجمل إلى دستورية الدولة، والديموقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد والسوق الحر والملكية الخاصة.

هل التعريف -أعلاه- يوحي بانتهاك للدين أو الأخلاق كما قاله الكاتب خالد الغنامي؟ الجواب واضح من عنوانه.

لنعود إلى مقابلة خالد الغنامي، التي أصبح بها منظراً وفيلسوفاً وعالماً مطلعاً، فهو يفني بكل شيء من السياسة إلى الاجتماع إلى الدين إلى الفلسفة، وعلى أي حال، اللهم لا اعتراض، ولكن قبل الخوض بها لا بد من أن نوضح شيئاً مهماً هو أنه ليس الشخص المناسب للاستشهاد به، فالتحولات الموسمية لا تعطي انطباعاً عن الرصانة، ولعل مقالته التي انتقد فيها عن ابن تيمية قبل سنوات وأغضب التيار الديني ثم رجوعه في الحوار أو في مقالات إلى الاستشهاد بابن تيمية وبقوة يوضح التناقض الفكري الذي يعيشه.

سأتناول بعض النقاط التي تحدث عنها، وأرى أنه كان غير موفق في طرحها.

الغنامي وفي أحد الأسئلة قال إن الليبرالية السعودية بلا مشروع ولا هدف وسؤالي له من هم الليبرالية السعودية؛ لكي نقيس على ما تفضل به؟ أهنالك أحزاب سعودية ونحن لا نعرفها أم مؤسسات لمجتمع مدني لا يوجد؟ أهنالك استبانات أم استفتاءات؟ ليسمح لي القارئ الكريم وأجيب عما يقصده الغنامي، فهو يقصد أنه تعرف على بعض المثقفين الذين يطرحون آراء إصلاحية أو يطالبون بحقوق اجتماعية، عند زيارته لهم في بيوتهم. ولن أسترسل في جهله بالتفريق من الليبرالي أو اليساري أو القومي فتلك قضية أخرى. الغنامي نفسه يقول إنهم لا يطلقون على أنفسهم هذا الوصف غير أنه هو من أطلق عليهم من جهة وهاجمهم من جهة؛ لأنهم يطالبون بهذه الآراء التي قال إنها ليست ذات أهمية كمطالبتهم بقيادة المرأة السيارة.

كان المقصود في البرنامج الحصول على شهادة توبة وحصل عليها، فمبارك له، إلا أنه لم يكن خصماً منصفاً مع مجموعة كان يرى نفسه فيها، وعندما خرج أو أُخرج من هذه الدائرة تحامل عليها، وليس أوضح من هذا التحامل قوله إن من يطالب بقيادة السيارة قوم مترفون وليسوا من الطبقة الفقيرة، وهو غير صحيح ألبتة؛ فمن أسباب رغبة بعضهم في القيادة هو صعوبة توفير راتب السائق وتكاليفه، فضلاً عن أسباب أخرى وهو ما يتوافر لدى الأثرياء وقد لا يهمهم.

كما أن ربطه بين الليبرالية وقيادة السيارة ساذج فهل رجال الدين المؤيدون للقيادة ليبراليون؟ أما أنهم لم يتحدثوا عن أزمة السكن على سبيل المثال فهو تدليس جديد، فإذا اعتبرنا الليبراليين من المثقفين أو الكتاب فمن الذي لم يتحدث عن مشكلة السكن؟ الكل تحدث من دون استثناء، لكن الفارق أن قيادة المرأة السيارة ممنوعة، ومن ثم الحديث عنها مختلف. ذكر الغنامي أن الليبراليين ضد الأخلاق والدين والدولة، ولا أفهم كيف يعتبرهم ضد الدولة بينما هو يقول بنفسه إن مطالبهم التي ذكرها لا علاقة لها بسياسة الدولة؟ ما يثير السخرية أكثر هو الأصوات التي هللت لما قاله الغنامي، وكأنما ركن من رموز الليبرالية قد هوى، ومن الأسلم ألا يستشهدوا به، فلو سلمنا بما يقوله كل متحول لانكفأ الإسلاميون وتواروا خجلاً.

مؤيدو الغنامي انتقوا ما يريدون مما قاله وتجاهلوا أخطر نقطة فيه، وهي أن لداعش جذوراً لدينا، وهو ما بُحت أصوات المخلصين الوطنيين والشرفاء في التحذير منه، وربما (وأتمنى أن أكون مخطئاً) كان هذا أحد الأسباب القوية التي روَّج لها محاربو الاعتدال والانفتاح لما ذكره الغنامي بالتركيز على حديثه عن الليبرالية.

أتفق في من قال إن انتقادات الغنامي لا تحتاج إلى تعليق أو رد لهشاشتها، ومقالتي إنما هي تنبيه وتحذير لمن يروِّج لها لدى صغار السن الذين أصبحنا نضع أيدينا على قلوبنا؛ خوفاً عليهم من الظلاميين والقاعدة والدواعش وغيرهم من أعداء الإنسانية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.