مات ابني ولم يهتم أحد

عبده خال
عبده خال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

مات ولدي أحمد مطلق العتيبي.. هكذا في لمحة بصر خطف منا جميعا وترك لنا الفجيعة، فقد مضى يوم الاثنين الماضي حزينا، كان يوما منتشيا بالغمام صبحا، ومع الظهيرة تلون بالدم القاني. دم سفح على أسفلت لا يرحم، ولا يفرق بين الأحلام وقبرها، بين صبي عابر وسيارة متلهفة لقطع المسافات.. بين تلوين الكراسة وتلوين أيام المستقبل المنتظرة..
كان أحمد يحلم بالغد، وكانت عجلة السيارة تحلم بقطع المسافات، سيارة ملونة أيضا، لكن لونها لم يفرق بين المستقبل وبين الفناء، قطف أحمد من بين زملائه ومدرسيه وأهله تاركا حسرة غامقة تلونت بها كل القلوب التي تعرف أحمد.
في ذلك اليوم، كان الطلاب يتضاحكون في مسيرتهم إلى صفوف الدرس، ولم يدر بخلدهم بأنهم سيبكون زميلا لهم في آخر اليوم الدراسي. أحمد مات في شارع رئيس كان هو ضحية لإهمال هذا الشارع..
هل تذكرون شارع طبية الرئيسي الذي كتبت عنه أكثر من ثلاث مرات، كنت أقول كيف لشارع رئيسي يترك لخمس سنوات في يد مقاول من غير أن ينتهي من إنجازه أو يرفع معداته ويطمر حفره التي ضيقت من مساحته التي تمتد من تقاطع المدينة الطالع إلى آخر نقطة شرقا، كيف لهذه المسافة أن تتحمل الترلات والوايتات والسيارات المسرعة والمعاكسة.. كيف لهذا الشريان المخنوق أن يحتمل كل تلك الكثافة السكانية، وكيف له أن يؤمن السلامة لأكثر من ثمانمائة طالب يقطعونه يوميا للوصول إلى مدرستهم الوحيدة داخل حي غدا خمسة أحياء.. كيف؟
كتبت كثيرا عن هذا الشارع، متسائلا عن الخمس السنوات التي نام فيها المقاول وترك حفره ومعداته من غير أي لوم.. ولدي أحمد لم يكن المدهوس الوحيد في هذا الشارع.. كثر ضحاياه، لكن أحمد كان يعبر إلى مدرسته، فذكرنا ببقية أبنائنا الذين يعبرون شارع الموت يوميا.. ذكرنا بأننا طالبنا الأمانة بأن تضع مطبات صناعية في جهة المدرسة فلم يلتفت إلى تلك المطالبات، وطالبنا بوضع إشارة مرورية قبل المدرسة فلم يستجب لهذا الطلب.. طالبنا كل جهة بمفردها فلم يستجب لتلك المطالبات، فهل دم أحمد المسفوك على أسفلت لا يرحم يمكن له خلق قلوب ترحم؟
أحمد لم يمت من السيارة العجلة، مات من إهمال مقاول، ومات من إهمال أمانة، ومات من غياب مرور.
فمن يعوضني عن ابني أحمد مطلق العتيبي الذي حلم بالمستقبل، ومات وهو يقفز الرصيف ليصل إليه، من؟
الآن بت أخشى على أبنائي الثمانمائة من أن تخطفهم يد الإهمال، وهذا المقال تحذير لكل جهة مسؤولة عن أبنائي هؤلاء.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.