المُشَابِه !

فهد عافت
فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

بالمُشابه أتكرر لا أتكاثر ، التكرار ينتج حفظاً و لا ينتح فهماً للمكرور ، الحفظ يمنح الكذب سطوة تجعل منه حقيقة ، الحقيقة التي هي في الأصل كذبة تنسى أصلها و تتذكر فصلها ، فصلها يُنتج وجوب الدفاع عنها ، وجوب الدفاع عن حقيقة هي في حقيقتها بهتان ينتج التطرف ، التطرف ينتج العمى ، العمى يؤكد نفسه بغياب الأشياء لا بوجودها ، و لتأكيد ذاته يمحو كل ما عداه ، لأن حضور ما عداه يُرهبه ، يظن الإرهابي ظناً صادقاً أنه يحارب الإرهاب ، حين لا يكون هناك شيء فأنا لستُ أعمى ، أنا فقط أرى اللا شيء ، فلا عِلّة و لا خلل ، بالمُشابِه أصير إرهابياً ، و حين لا يبقى سواي و المكرور مني أدافع عن سواي بإفناء المكرر ، أبدأ قبل ذلك بمحاورته لكنه لا يسمعني ، لأنه يبدأ بمحاورتي في نفس اللحظة ، هو مكرور و يفعل ما أفعل ، يلغي تفرّدي الذي بحثت عنه طويلاً و من أجله كابدت مهولات أمور ، يُشعرني أنني مكروره مثلما هو مكروري ، و أشعره بما يشعرني ، لا حوار و لا حديث يمكن سماعه ، نتكلم معاً و نصمت معاً و لا يمكن لأحدنا إضافة حرف أو كلمة أو نقطة آخر السطر ، و بقدر ما تتسع الدنيا لنا تضيق بنا ، أُبصر من خلال العمى ، و مثلي يُبصر المكرور ، أننا ما استثنينا من القتل سوى ألد أعداءنا ! ، أن الذين أفنيناهم لأنهم يخالفوننا هم وحدهم من كان يمكن لنا سماعهم و يمكن لهم سماعنا ، أن اللغة و الكلام و الإشارات و التبسم و الدموع و التلويح و المصافحة خُلقت للتواصل معهم إن لم تُخلق منهم أصلاً ، المكرور لم يعد صديقي لأنه لم يكن صديقي ، لكنه بقي أنا لأنه أنا ! ، و لأنه أنا فأنا مكروره و قد فكر في الأمر و وصل إلى ذات النتيجة عن ذات الطريق و في نفس الوقت ، إذ لا يُمكن لأحدنا أن يسبق الآخر أو يلحقه في شيء ، ذلك لأنه لم يعد هناك " آخر " أصلاً ، كل مكرور و مهما زاد عددنا ، يزيد و لا يكثر ، يتهم المكرور الآخر بما حل به من مصيبة الفقد ، أقرر الانتقام و أخذ الثأر و تصحيح المسار ، و يقرر لأنه أنا و لأننا نتكرر ، أشحذ سكيناً ، أو أحشو مسدسي الذي هو مسدسه برصاصة ، ثمن الموت صار سهلاً ، تكفي رصاصة واحدة ، السبّابة التي لم يعد لها القدرة على الإشارة نحو أحد ، تتجه نحوي عبر حركة الزناد اللازمة للقتل ، أطلق الرصاصة ، تدور الأرض و الدنيا كلها بي ، أتهاوى ، فداء لا أحد ، و قبل اليباس بشهقة أتحسّر : لو أبقيت على الأرض مُخالفاً واحداً لأمكنه الحفر و الدفن و الصلاة ، أو على الأقل فرصة الغفران و المسامحة !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.