عندما كتبت لي الحياة

مشعل السديري
مشعل السديري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

من حسن حظي أنني ذهبت إلى برج التجارة العالمي في نيويورك لتناول العشاء في أحد مطاعمه قبل أن يضربه الإرهابيون بالطائرات بتسعة أيام، وذهب ضحية تلك الضربة أكثر من ثلاثة آلاف إنسان، ولازلت أرتجف وأتخيل لو أنني ذهبت إلى هناك في نفس يوم الضربة لتناول وجبة الإفطار في الثامنة والنصف صباحا مثلا، فماذا سوف يكون مصيري يا ترى؟!، أكيد أنني سوف أذهب مثلما (ذهب الحمار بأم عمرو).
ونفس هذا العدد تقريبا – أي أن أكثر من ثلاثة آلاف إنسان قضوا نحبهم في مدينة نيويورك تحديدا في عام 1896 ، ليس بسبب عمل إرهابي، ولكن بسبب موجة حر (لم يسبق لها مثيل)، ضربت تلك المدينة عدة أيام.
ولو أن تلك الحادثة الحرارية، لم تسبق (غزوة منهاتن) بـ (105) سنة، وأتت بعدها، لقال بعض جهال المسلمين، إن ذلك كان عقابا للكفار وانتقاما لضحايا (غوانتانامو).
نترك هذا الكلام الذي (يسم البدن)، ونعود لموضوع الحرارة الذي كتم على أنفاس بعض سكان نيويورك.
ففي يوم الأحد من شهر أغسطس عام 1896، أفاق الناس على يوم مشرق جميل، وراح الكثيرون منهم يتفسحون ويتريضون بحديقة (السنترال بارك)، ويشنفون آذانهم بعزف فرقة الموسيقى النحاسية وهي تعزف لهم لحن اسمه: سيكون الطقس حارا الليلة في المدينة القديمة.
وقد تبين فيما بعد أن تلك الأغنية كانت بمثابة نبوءة، عكس ما توقعت مصلحة الإرصاد عندما أعلنت أن الجو سوف يكون معتدلا.
وفي اليوم التالي اجتاحت المدينة فجأة موجة حر لاهبة، وارتفعت درجة الحرارة من 23 إلى 36 درجة، وحيث لا مكيفات هناك في ذلك الوقت، فقد صعد الأهالي إلى الأسطح، وتمددوا بالحدائق، وعندما وصلت درجة الحرارة إلى 42 درجة، بدأت عملية هروب جماعية، وازدحم السكان الهاربون فوق المعديات والبواخر، وزاد البخار الذي تنفثه القطارات المتقدة بالنيران من حرارة الجو الذي لا يحتمل.
وما أن وصلت الحرارة إلى 47 درجة حتى بدأ بعض السكان الضعفاء والمرضى في منازلهم وفي الشوارع يتساقطون كالذباب عندما يرش (بالفليت)، ونفقت آلاف الخيول وتنفخت في الطرقات، واجتاحت المدينة روائح كريهة لا تطاق، ويقال إن عدد الضحايا من جراء ارتفاع الحرارة، قد فاق ضحايا مرض (الكوليرا) قبل أعوام.
(وأقبح وأحلى) ما في الموضوع أن بعض الرجال والنساء انطلقوا في الحدائق وهم شبه عرايا لا يستر عورتهم غير ملابسهم الداخلية، وهذا ما أثار حفيظة أحد القساوسة المحترمين، فأخذ يقرعهم على مظاهرهم الفاضحة تلك، فما كان من بعضهم وقد طفح بهم الكيل إلا أن يهجموا عليه ويوسعوه ضربا ولسان حالهم يقول: (احنا في ايه وانت في ايه)؟!، ولم يكتفوا بذلك، بل إنهم قذفوا به في نهر (ايست رفر) وهو بكامل ملابس الرهبنة، وكاد المسكين أن يغرق لو لا أن البعض أنقذوه وهو في آخر رمق، وقد كتبت له حياة، مثلما كتبت لي قبل ضربة 11 سبتمبر بتسعة أيام، و(عمر الشقي بقي).

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.