فن الاحتيال
الدراما في الثقافة السعودية : هل هي فعل ثقافي مقبول اجتماعياً ام تعدّ على قيم المجتمع يجب إبعادها عن النظر والحياة ؟
سؤال ابتدائي يفترض اننا تجاوزناه من سنوات وانصرفنا الى تقييم الفن الدرامي كأمر اساسي أخذ موقعه في الحياة.
المحفز على السؤال، عدة اعتبارات : معرفة تاثير الدراما على المجتمع، ومدى فاعليتها في إحداث التاثيرات الايجابية في حياة الناس. وهل المجتمع ينظر لها باحترام كنظرته للشعر، أم يحملها انحرافات السلوك والسقطات الاخلاقية ؟ الاجابة التي نريد لا نبحث عنها في الفتاوى او بفلسفات النخبة، انما نريد ان نأخذها من وعي الجمهور، الذي اصدر حكما اخلاقيا على هذا الفن، كيف نعرف هذا الحكم ؟ هناك عدة مستويات من التحليل لمعرفة حكم الناس على الدراما، ابرزها ردة الفعل على اعتزال فنان الدراما لاسباب دينية، فالملاحظ ان اغلب ردود الفعل تأتي على شكل دعوات له بأن يثبته الله على توبته ويبعده عن رذائل الدراما، وهذا يعتبر معطى واضحا يجب ان يأخذه صانعو الدراما في اعتبارهم عند دفاعهم عن منتجهم الثقافي.. فهل الخطأ هنا في الدراما أو بوعي الناس؟
قد يحتج البعض على حكم الناس الرافضة للدراما بانهم الشريحة الاكبر التي تطارد المسلسلات في اكثر من قناة، وهنا ياخذنا الجدل الى واقع ولكن لا يوصلنا الى حقيقة، واقع المشاهدة الكبيرة وحقيقة الرفض، فهذا الاضطراب بين السلوك والحكم الاخلاقي، جعل مشاهدة الدراما حيلة على القيم وليس انسجاما معها، وأصبح كل ما زيقدم لنا من اعمال درامية يبنى على حيل اخلاقية وليس على لغة واقع وقيم مجتمع، لبس الحجاب ليس ضرورة في الدراما ولكنه ضرورة في الواقع، هذا الشيء اعطى المشاهد فرصة مشاهدة ما يمنع ان يراه في الواقع، والابتعاد عن محاكاة الواقع في حساب الجمهور أمر مرغوب في المشاهدة لانه لا يدفع ثمن هذا الابتعاد بل ناس آخرون يطلب لهم التوبة، فالحيلة في الدراما بدأت من الجمهور وليس من منتجي الدراما.
فهل الجمهور السعودي في مشاهدته للدراما يعد مشاهدا محتالا، أم ان الواقع اعطى الفرصة للاحتيال عليه، هذه الطبيعة للجمهور الذي آمن بقيمه وصنع مشاهد الاحتيال عليها، لا يريد ان يكون مرتشيا ولكن يصنع حيلا للتعامل مع المرتشي، يمقت الكاذب ويستخدم كذبه إن كان في ذلك مصلحة له لأنه يعتقد ان الذنب على الكاذب وليس عليه، فاللعب بين الفضيلة والرذيلة احتيال، وقد يكون في ذلك فرصة كبيرة امام عرابي الثقافة لانتاج فن يفضح الاحتيال والوعي المتذاكي على القيم، فالاستفادة من اخطاء المنحرفين سوق واسعة يستخدمها المحتالون بدون ان يخسروا من قيمهم شيئاً، أو هكذا يعتقدون!.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"