درويش
طالما لفتتْ نظري هذه الكلمة "درويش" فهي دخلت في الأسماء الأولى لأفراد وشخصيات وعوائل ليس في جزيرة العرب فحسب، بل هي في الشام والعراق ومصر والمغرب وربما وجدناها في الهند وباكستان وماليزيا.
وفي موسوعة البستاني وجدتُ أنها "لفظة فارسية معناها فقير تُستعمل في بلاد المسلمين للدلالة على طريقة دينية تُشابه في بعض الأمور الرهبان. وهم (أي الدراويش)أصناف كثيرة لهم عقائد واحتفالات وأزياء يتميزون بها". ويقول صاحب الموسوعة أن من أعظم الفروض عندهم الفقر والعفة والتواضع، والتسوّل ممنوع عندهم، ويعيشون عادة بما يُقدّم لهم من الهدايا، ويطول الشرح عن فِرَقهم.
وأذكر في طفولتي بعنيزة أن رجالاً يأتون إلى البلد ولا ندري من أين، لكنهم يجيدون الإنشاد والمدائح النبوية عند الأبواب. فكان الواحد منهم يدق الباب وحالما يسمع صوتاً يقول: من ذا، أي من الطارق يقوم الرجل ببدء إنشاد
رخيم، بعضهُ مُقفى وبعضه سجع، ويجمّل إنشاده بتغيير طبقات الصوت، وإذا انتهي جاد أهل المنزل بما يستطيعون من تمر أو نقود أو غيره. ويكون بهذا قد أوجد الدعاية لممارسته تلك، فيأتي بعد يوم أو يومين إلى ذات الحارة ليؤدي الدور. وإذا توقعه أهل المنازل تجتمع النساء في منزل إحداهن ليسمعن الإنشاد والمدائح والأدعية.
كنا نسميهم الدراويش، لكنني أرى أنهم ليسوا ما وصفهم البستاني في موسوعته وإنما هم جماعة من اليمن (أحكم عليهم من لهجتهم ومن طريقة ترخيم المدائح). ولم نعرف عنه أنهم أهل طرق تعبّدية. ولم نكن نعرف أين يبيتون ليلهم ولا كيف يقتاتون.
الشعر العربي الحديث أورد ذكرهم كرمز من رموز طرائق الزهد والدروشة. ففي قصيدة واحدة للراحل نزار قباني جاء على ذكرهم مرتين في قصيدة " مرحبا يا عراق" في مهرجان المربد في العراق فقال:
ونهزّ الرؤوس مثل الدراويش وبالنار تكتوي سيناءُ.
إلى أن يقول:
مزّقوا جُبّة الدراويش عنكمْ..
واخلعوا الصوف أيها الأتقياءُ
نقلاً عن صحيفة "الرياض"