.
.
.
.

انتفاخ الرؤوس

عبد الله الناصر

نشر في: آخر تحديث:

الرؤوس هي صناديق، ومحافظ المعرفة، وقيمة هذه الصناديق والمحافظ تكمن في ما نضع فيها، فهناك صناديق ومحافظ، مليئة بالجواهر واللآلئ وهناك محافظ مملوءة، بالقش، والخيش وما شابه ذلك، ومن ثم فإن علينا أن نتساءل: ما الذي نخزنه في رؤوس طلابنا وفي صناديق ومحافظ عقولهم، هل نحن نخزن فيها معرفة أصيلة وعلماً نافعاً أم أننا نحشوها بمحفوظات، معظمها لا يسمن ولا يغني من جوع، ولقد تطرقت إلى هذا الموضوع كثيراً فيما كتبت، من ذلك حكاية الأب الذي أوصى ابنه قائلاً: يا بني اذهب وذاكر دروسك واحفظ.. نعم احفظ، هكذا قال المعلمون، وهذا ما نصحوا به فالحفظ شيء مهم في النجاح.. فالعقل يا بني كالمحفظة تحفظ الفلوس، والأشياء المهمة!!.. والذي ليس في رأسه محفظة تحفظ الأشياء المطلوب حفظها.. هو كالمفلس الذي ليس لديه محفظة ولا فلوس!!.. وأنا يا بني لا أريد أن تكون إنساناً مفلساً!!..

فانتفض الصبي وأصابه الجزع خوفاً من كلمة الإفلاس، وراح يحفظ ويعبئ رأسه بالمعلومات حتى كادت محفظة رأسه أن تنشق من كثرة ما حشر فيها!!..

وسار المسكين وهو يحمل رأساً ثقيلاً "متروساً" ينوء بما هب ودب مما تقع عليه عينه في الكتب الدراسية.. وخيل إليه أن رأسه كبر وتضخم.. وصار المسكين في بعض الأحيان يتلمس رأسه ويتحسسه لاعتقاده أنه صار ضخماً بسبب ما تكدس فيه من حفظ وتلقين!.. بل إنه صار يقف أمام المرآة ليتأكد من صدق إحساسه!..

بل تخيل في بعض الأحيان أن رأسه أصبح قربة تترجرج بالمعلومات والمعارف!..

ودخل الامتحان ومحفظة رأسه مليئة بالمواد والمعلومات المتكدسة، وراح يفرغها جزءاً جزءاً، وقطرة، قطرة، وساعة بعد ساعة.. حتى إذا قدم آخر ورقة من أوراق الامتحان كانت محفظة رأسه خاوية، ذاوية ليس بها حرف واحد، ولا فلس واحد ولا قطرة واحدة.

وحقق نتائج مذهلة وأرقاماً خيالية في النتائج. فلقد أفرغ ما في رأسه بدقة وإتقان، وصرف ما في محفظته بشكل حسابي دقيق. وفرح أهله فرحاً عظيماً، وافتخر والده في زهو بما حقق الابن النابغة من نتائج لا تخطر على البال!..

أما الابن المسكين فكان على عكسهم تماماً.. لم يشعر بشيء سوى أن رأسه خف حمله وأن به صفيراً يشبه صفير الريح في الطبل المثقوب.. وأن به فراغاً يشبه فراغ الأمعاء الجائعة.. وأن محفظة رأسه أصابها الإفلاس من جراء صرف محتوياتها، وإفراغ كل ما فيها على أوراق الامتحان..

وأصابه القلق بسبب فراغ رأسه، وخيل إليه أنه صغر وتضاءل حتى صار بحجم التفاحة!.. واعتراه شيء يشبه الوسوسة فصار يتحسس رأسه ويتلمسه في كل لحظة.. وأعاد الوقوف أمام المرآة من جديد ليتأكد من أن رأسه لم يصغر..

وظل المسكين يحمل هذه الهواجس والآلام النفسية المزعجة طيلة مراحله الدراسية حيث ينتفخ بها رأسه حيناً فيخاف من تضخمه.. ويفرغ منها حيناً فيصغر فيقلق بسبب صغره وضموره وفراغه.

وطبعاً كما ترون فالذنب ليس ذنبه وإنما ذنب أولئك الذين حولوا رأسه إلى محفظة أو قربة قابلة للانتفاخ والضمور.

فكل ما أصاب المسكين كان نتيجة للحقن المعرفي الكاذب والذي يشبه الحمل الكاذب في كثير من الأعراض والنتائج.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

www.alriyadh.com/1009444

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.