ضرورة تفريغ الإبداع

خالد الفاضلي
خالد الفاضلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

أتمنى أن تتبنى الدولة مشروع تفريغ للمبدعين من موظفيها، يتم تفريغهم لأعمالهم الإبداعية، مع استمرار تدفق رواتبهم على حساباتهم البنكية، بشرط أن يتم اعتبار جهة عمل المبدع، راعياً رسمياً لمنتجاته؛ كجزء من برامجها في مجال المسؤولية الاجتماعية.

يجب -أكرر يجب- اعتبار الإنتاج الإبداعي جزءاً من الإنتاج القومي للدولة؛ لأن عائده المعنوي، دوماً، يزيد حجم الصورة الذهنية عن الدولة والشعب، وجبهة مضادة ذات قوةٍ قصوى ضد كل تشويه، بينما منصات التتويج العالمية لا تقتصر على الرياضة فقط.

خرجت السعودية من القائمة الذهبية للإبداع عالمياً؛ لأنها اعتبرت الإبداع قضية فردية إلى حين تحقيقه، نجاح ثم يتكاثر الآباء، وسارقو الأضواء، مع ملاحظة وجود مسارعة لدى بعض المبدعين؛ بإهداء إنجازه الفردي إلى أسماء في الدولة، على رغم أنهم لم يمدوا أيديهم له برغيف أو حافز معنوي.

المرحلة الثانية: أن يتم إقناع القطاع الخاص بأن تتبنى كل شركة صناعية مبدعاً واحداً على الأقل؛ لأن القوة الثقافية والأدبية تزيد من احترام المستهلك الأجنبي لمنتجات بلادنا، فالسينما الأميركية كانت ولا تزال مندوب مبيعات خطير للمنتجات الأميركية.

بودي لو يلتفت رجال المال إلى الاستثمار الأدبي كمورد ربحي، وساحة منافسة، فمعرض الرياض للكتاب يحمل دلالات كبرى على أن الربحية موجودة في الكتاب بنسبة عالية، بينما مشاركتهم في مكافحة التصحر الأدبي الثقافي، تمنحهم تقديراً أكبر بكثير مما تفعله أرصدتهم البنكية.

أقول للدولة ورجال المال كفى، بربكم كفى تجاهل حاجتنا إلى حاضنات ثقافية، قادرة على مضاعفة جودة، نوعية، وكمية منتجاتنا الأدبية. الكتاب بالدرجة الأولى، ثم بقية مسارب الإنتاج الثقافي، من خلال صناعة جيش من عمال المعرفة، بما في ذلك المهتمون بالكتابة العلمية.

بيننا مبدعون كثر في مجالات الرسم، الرواية، القصص، صناعة الأفلام، الكتابة العلمية، الفلسفة، كتب الأطفال، وكل أودية الحبر، لكنهم منهكون جسدياً وعقلياً في وظائف تأكل الأخضر واليابس منهم، وتشتت تركيزهم إلى حد التنازل عن مشروع المبدع فيهم، أو ممارسة إنتاج قليل ومرتبك.

يقتل الركض خلف لقمة العيش كل إبداع، وقد يتحمل المبدع الكفاف من الأكل وأسلوب الحياة من أجل حلمه، لكن المأزق الأكبر يكمن في توفير قيمة إيجار الدار، نحن نعمل ليس؛ لأننا نريد أن نأكل و«نتبغدد»، بل من أجل سكن تحتمي فيه الأسرة، عنوان استقرار.

ينال الجرسون في المقهى «ضريبة خدمة»، وأرباب القلم يخدمون وطن، يسهمون بترقية عقل المواطن درجات، يصعب على أجهزة الدولة تحقيقه أو إدراكه، فحجم التأثير يتوافق مع كمية الإنتاج، بينما لو تكرم تجار السعودية علينا بمنحنا مقابل كل ألف عامل، عقد رعاية مبدع واحد فقط براتب عشرة آلاف ريال، سننال 80 ألف ماكينة إنتاج إبداعي.

ترتفع يومياً مقاييس هزيمتنا ثقافياً، فالأندية الأدبية تملك طموحات وأهدافاً عاجزة عن تحقيقها؛ لأنها تعمل بعقلية غير استثمارية، فإغلاقها وتحويل موازناتها إلى جوائز وحوافز، يمنحانا تنافسية أفضل ومحفزات أكثر، بينما الأندية الرياضية تكتب على أبوابها (ثقافي، اجتماعي، رياضي) كوعد لم تحققه وأرجو أن تفي به.

أنادي مجدداً بضرورة تأسيس أنظمة ومنظومات تمنح المبدعين من موظفي الدولة أحقية التفرغ للإنتاج الثقافي، وفاتورة إيصال منتجاته إلى المستهلك، وفق مبدأ تحاصص النجاح المعنوي والمالي مع جهة وظيفته، كنوع من تجسير علاقة الوزارة، أو الشركة مع مستهلك خدماتها أو منتجاتها، فمن الأدب مع الوطن والناس؛ رعاية منابع الأدب والثقافة.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

alhayat.com/Opinion/khaled-alfadly/6678699/%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%BA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.