.
.
.
.

الحكومة حكومة «مش ماما»

خالد الفاضلي

نشر في: آخر تحديث:

ختار ملايين عدة من العرب وغيرهم، السعودية محطة للعمل والعيش زمناً طويلاً، ومكاناً لولادة وتربية وتعليم أولادهم، ويعتبرونها جنتهم في الأرض، لكن ذلك لا يندرج ضمن قناعات معظم السعوديين؛ كمؤشر إيجابي على أداء الحكومة.

تتشبع لغة الشارع السعودي بمفردات تذمر من أداء الحكومة تجاه مؤشرات اقتصادهم المعيشي، مقومات الحياة الأساسية، البنى التحتية، البطالة، الفساد المالي، التخبط الإداري، وغيرها، بينما ملايين الأسر الأجنبية تتمسك برغبة تمديد إقامتها في السعودية.

يوجد بين الجاليات العربية، رقم كبير من الحاملين لجنسيات، جوازات سفر، وحقوق مواطنة كاملة لبلدان أوروبية، لكنهم يفضلون حظوظ العيش في السعودية، ويقيمون عشرات السنين.

استطاع ملايين من العاملين في السعودية بناء منازل لهم في ديارهم الأم، أكثر مما بناه السعوديون في ديارهم، وأكثر مما وعدتنا به وزارة الإسكان خلال عشرة أعوام قادمة، ونجحوا في تعليم أبنائهم وبناتهم أفضل مما ناله السعوديون من جامعاتنا المحلية، كل ذلك من حظوظ إقامتهم في السعودية.

تعيش مئات آلاف أسر الجاليات في مستويات معيشية عالية، بإمكانات ذات رفاهية في المنازل، السيارات، التأمين الصحي، إضافة إلى مكانة مهنية أو وظيفية تمنحهم متعة يومية ونجاحات متصاعدة، ويمارسون براً كبيراً لذويهم في ديارهم الأم، أو كما نقول في لهجاتنا الدارجة «يتجملون» مع أهليهم.

ينال أبناء الطبقة المتوسطة من الجاليات حظوظاً أفضل من الطبقة المتوسطة سعودياً، ويعيشون فوق خط الكفاف برحابة قد تصل إلى البحبوحة، بينما كل ذلك يدفعني إلى السؤال عن أسباب تمسك الطبقة الوسطى من السعوديين بنُواحِ التذمر الدائم؟

يصعب لوم طبقة المداخيل المتدنية (سعودي أو مقيم) على نُواحِ حظوظهم، أو وضع الحكومة في مكانة الملام دوماً، بل وأنوح معهم إذا أسكتهم اليأس أو القناعة، ولن نجد عند الأثرياء من السعوديين أو المقيمين إلا البحث عن صخب الاحتفال بمنجزاتهم.

أعود إلى الطبقة المتوسطة السعودية ومقارنتها بالطبقة المتوسطة من الجاليات، ومحاولة تحميل العتب على أسلوبهم في حياتهم اليومية، ثقافتهم المعيشية، واعتقادهم بأن حكومتهم في صدارة معاول هدم حظوظهم في حياة أفضل.

أنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وأعاني الحظوظ ذاتها، لكن صوت الحكيم داخلي يقول: «فاك نفخ ويداك أوكتا»؛ لأن يدي مخرومة، ولم أكمل تعليمي كما يجب، أعمل أقل ساعات يومي، أتحلطم أكثره، ولم أفكر في ممارسة نمط ادخاري مالي، لم أبنِ بيتاً، أو أصمت.

ممتعض من كل حياتي، أشعر بخيبة كبيرة، لكنني عاجز عن لوم نفسي فألوم الحكومة، كي أتخلص من مواجهة حقيقة أن كل مقومات حياتي صنعتها بيدٍ كانت قادرة على صناعة حظوظ أفضل، لو أنني استمعت جيداً إلى وصية جدي (يا وليدي شربك على يدين الرجال هماج) -أي- ماءً مالحاً، فالحكومة -أيضاً- رجال وليس نهر النيل.

كنت أقول -وما زلت أكرر- إن الشعوب تصنع التنمية، وليس الحكومات، فأحد أهم أدوار الحكومات توفير بيئات التنمية لا صناعتها، وقد تكون حكومتنا غير جيدة في ذلك، لكن لا أجد أداء الحكومة سبباً في تدني مقوماتي كفرد، كان يجب أن ألعب مباراتي مع الحياة بشكل أفضل.

احتجت إلى ٤٨ عاماً؛ لأستوعب أن الحكومة ليس لديها ملاعق من ذهب، وأنها لا تملك قلب أمي، فلا علاقة حنان بيننا، لذلك قررت أن «ألملم نفسي وعفشي»، وأعيش مجدداً في وطني بعقلية مقيم أجنبي؛ لعلني أجدها جنتي في الأرض.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

alhayat.com/Opinion/khaled-alfadly/6828794/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%C2%AB%D9%85%D8%B4-%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%A7%C2%BB

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.