عقولنا المهاجرة..
العاطلون والتوظيف ليسوا المشكلة فقط، وإنما الاستقدام الجائر وغير المنظم حيث إن من يصلون إلينا فوق حاجتنا حتى أصبحنا نشكو عمليات العمالة الهامشية والتستر واستنزاف مداخيلنا على عناصر عالة علينا، والقضية الأخطر، والتي لم يؤخذ بها أو تعطى الاهتمام المباشر، أننا نعلّم ونبتعث إلى مختلف دول العالم لغرض سام في رفع مستوى التعليم والتأهيل للعديد من مجالات العمل التي اضطررنا إلى الاستعانة بالخبرات الدولية المؤهلة وبعقود يفرضها الأشخاص أو دولهم ومؤسساتهم كأي عملة صعبة ليأتي العائد لبلدانهم كبيراً، ولا يقتصر الأمر علينا بل إن استنزاف كفاءات العالم النامي التي توطّن بالعالم الأول صارت من المعادلات المعكوسة لدرجة اكتساب عناصر تلك المهارات جنسيات الدول المضيفة مع مختلف المغريات الأخرى..
دعوات كثيرة طرحت للدولة وللقطاع الخاص بأن حالة هجرة معاكسة بدأت تتسرب من كفاءاتنا، إما من الدوائر الحكومية والتي ظل سلّم رواتبها ومغرياتها لا يتوافق مع القطاع الخاص الداخلي، أو الشركات والمؤسسات الخارجية التي تضاعف رواتبها عن الدولة أو حتى مؤسساتنا الأهلية لأن كفاءة تأتي متعلمة ومدربة أو لديها تجارب مختلفة تحسب على أنها شبه مجانية، وأن أي مبالغ تعطى لها تُعد بسيطة، وظاهر المشكلة نراها بخروج أطباء استشاريين أو اختصاصيين، وأكاديميين أو أي تأهيل آخر وأصبح السباق عليهم كبيراً، والمشكل لو كان تداول هؤلاء داخل الوطن فقط، لاعتبرنا أنفسنا في حالة مكسب، وإنما دخلت على الخطر دول خليجية تغري مواطنينا بنفس امتيازات ورواتب أي أجنبي أوروبي أو أمريكي وآسيوي وهذه خسائر غير منظورة، ولكنها أخطر من استنزاف مادي، لأن ندرة الاختصاصات والتزاحم عليها صارت من لوازم التنمية لأي جهة..
أنظمتنا لا تزال بعيدة عن التحديث في سلالمها الوظيفية حيث لازلنا نصنف أصحاب الدراسات النظرية بالعلمية إلا في بعض التغييرات البسيطة والتي أسميها احتيالاً على الأنظمة بسن مكافآت أو علاوات خارج إطار السلّم وهذه ليست مغرية عند حساب التقاعد والخدمة فصارت دوائر الدولة أكبر الطاردين للوظائف الاختصاصية حتى أن الشكوى من وجود أطباء ومهندسين وفنيين على مستوى عال لم يقترن فقط بمشكل التوظيف، وإنما بنظام الجامعات شبه الراكدة في نظمها والتي تشترط درجات تبنى على خريجيين يأتي الكثير منهم من مدارس خاصة تتسابق على إعطاء الدرجات بشكل عشوائي وحتى اختبارات الكفاءة لا تبنى على معايير علمية تناسب ظروفنا وإنما تلقيناها وطبقناها من دول مغايرة لبيئتنا، وتبقى حالات الاستنزاف مستمرة ولا نعرف كيف سيُخلى وطننا من عقولنا الكبيرة في المستقبل القريب والبعيد إذا ما بقيت نظمنا على حالها.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"