صديقي الذي يشبه (الملكة)

مشعل السديري
مشعل السديري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

بعد تنصيبها على عرش بريطانيا في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، كتبت إحدى الصحف في عام 1981، التقرير التالي:
أن تكوني ملكة حتى ليوم واحد ليس مهمة سهلة، ففي حفلة تنصيب الملكة اليزابيث الثانية عند الساعة الحادية عشرة كان عليها أن تظل واقفة مدة (90) دقيقة، وأن تمضي في ما بعد ثلاث ساعات في توقيع قرارات ومراسيم رسمية، وعدة ساعات أخرى في مقابلة الجمهور.
وخلال ثلاثة عقود أمضتها الملكة على العرش اجتازت مئات الآلاف من الكيلومترات وزارت (52) دولة، وليس أمراً مذهلا أن تستطيع وضع مكياجها في خمس دقائق وهي مستلقية، وقد شوهدت قبل مواعيدها الصباحية تضع تاجها على رأسها وهي تنتقل برشاقة في أحد أروقة القصر – انتهى
الواقع أنني أشفقت على الملكة من هذه المعاناة – وما أصعبها من معاناة – خصوصاً عندما تضع المسكينة مكياجها سريعاً على وجهها خلال خمس دقائق فقط، وهي مستلقية على (الشيزلون)!!.
ولكن ما رأيكم بـ (مانداكيني)، وهي بريطانية أيضاً؟!، فقد ولدت عمياء، وتعلمت طريقة (برايل) في القراءة، ودرست التمريض والقبالة وتخرجت بتفوق. وفي أوائل الخمسينات وقت تتويج الملكة تحديداً، ذهبت هي بطوعها إلى الهند لتخدم في مستشفى (سومبيتا) بدون مقابل إلا بما يسد عوزها، وكانت تطعم المرضى، وتغسلهم بالأسفنج، وتعطيهم الحقن، وترتب أسرتهم، طوال ثلاثة عقود كذلك – مثلها مثل الملكة –
وعندما أقاموا لها حفلة تكريم ومنحوها مكافأة مالية، تبرعت بها للمستشفى الذي تخدم فيه، وقالت للجميع وهي تبتسم: لقد خلقني الله عمياء، كي أكرس كل وقتي لخدمة الناس فقط – انتهى
وهكذا كل يعاني على طريقته – ولكن معاناة عن معاناة تفرق –
وإليكم يا سادتي هذه المعاناة المرهقة التي حكاها لي رجل من طينتنا لا يعمل، لأنه حسب وضعه المالي الجيد ليس في حاجة للعمل، وذلك عندما اتصلت به بالتلفون، وسألته عرضاً عن أحواله – كنوع من أنواع (النفاق) الاجتماعي، فأجابني: والله يا ابن الناس لقد تعبت اليوم تعباً ما بعده من تعب، فلم استيقظ إلا في الساعة العاشرة، على (تكبيس) المعزبة لي - أي زوجته -، فتداعبنا قليلاً، واضطررت بعدها أن اتحمم، وما أن تنشفت حتى أتت لي بالفطور، وبعده استلقيت على (الكنبة) اتفرج على التلفزيون برهة ثم أصابني النعاس ورحت في إغفائة طويلة، ولم أفق منها إلاّ على تكبيس المعزّبة لي مرة أخرى لتوقظني لأشاركها في الأكل من صينية ممتلئة (بالقرصان) التي يحبها قلبي، وما أن انتهيت حتى استلقيت على الكنبة من جديد.
فقاطعته قائلاً: خلاص، خلاص، والله لقد قطّعت نياط قلبي، فمعاناتك لا تشبهها فعلاً أية معاناة، لقد ذكرتني حقاً بمعاناة الملكة.
تبرم من تشبيهي هذا له، وأراد أن يطيل لسانه، على أساس كيف أنني أشبهه (بحرمة)؟! فقاطعته مرة ثانية، بالاعتذار الشديد له، ثم أغلقت الخط بوجهه.
الحمد لله أنني لا أعاني من أية معاناة، سوى من الضياع، وأحياناً كثيرة من (الصرمحة).

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20150202/Con20150202750667.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.