.
.
.
.

دائرة الخبيث

مساعد العصيمي

نشر في: آخر تحديث:

بين الطيبة والخبث بون شاسع، خلقا وأدبا، كما قال تعالى "قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث".
لكن ما بال هذا الخبث بات العمل الناجع الذي يجب أن يكون عليه بعض بني البشر؟ وإن كنت طيبا يعني أنك ممن قال فيهم الشاعر "إذا لم تكن ذئباً على الناس أجردا.. كثير الأذى بالت عليك الثعالب".. الطيبة مفهوم مرتبط بالمؤمنين المتسامحين.. لكن حاليا فإن أهلنا في بلاد العرب حينما يقولون إن فلانا طيب فذلك يعني أنه ساذج، وبالمعنى المحلي ينضحك عليه.. أي "ما هنا أحد".
الآن وفي عصرنا الجاري نكاد أن نقول إنه لا مكان للطيب ولا مكان للمتسامح، عليك أن تكون ذئبا عرمرما فاتكا وإلا فأنت من السذج الذين يقبعون في آخر الصف.. مجتمعاتنا تغيرت حتى أصبحت الوجاهة مرتبطة ببعض الخبث والنفاق والتحايل على الآخرين. بل إنها أصبحت لا تهتم بالطيب المتسامح الذي يحرص على حقوق الآخرين كما حقه.
قد يقول قائل إن الحياة المدنية والتنافس الشديد على المناصب والوظائف قد يجعلان من ذلك أمرا متاحا، حتى بات من ضمن العمل والأولويات، وقد نتفق أن مثل ذلك واقع وملموس، لكن ليس من حق أحد أن يفرض علينا ما لا نقبله ولا ما لا نريده، فإن تكن خبيثا فإنك تخالف سنن التعامل بين البشر، بل تخالف الوصايا السماوية، كما في الآية أعلاه، لا سيما وأن التسامح والتنازل والعفو ديدن الأنبياء ومن أهم رسائلهم إلى البشر.
أشد ما أخشاه أن ينقلب الأمر تماما ليكون الخبيث القادر على تحطيم الآخرين لأجل الوصول إلى مبتغاه هو المثال الممتاز الذي يجب أن يحتذى به، أما الصادق المتسامح فلا مكان له في غابة المجتمع. حاليا نرى أن سليط اللسان يخشى ويداري، والإعلامي الوقح البذيء يقرب ويستشار ليكون أقرب إلى أن يتحول إلى منافق دنيء، والأسوأ أن يكون صانع المؤامرات الخبيث هو من يتقدم للأمام، حتى أصبح الخبث أكثر انتشارا وأشد فتكا بالمجتمعات.
الطيبة والتسامح هما الأصل في مجتمعنا، والخبث هو غير الثابت فهل تذكّر أحدنا كم هو طيب وهو يستشعر طيبته الزائدة ليساعد شخصا، اكتشف بعد أن حقق كل ما يريده الأخير أنه يستغله؟ أنا أحدكم وقد أكون كذلك، وأعرف كثيرين قد بلغ منهم التسامح أن دفعوا بأحد الخبثاء حتى بلغ مبلغا كبيرا، ولم يستشعروا خبثه إلا بعد أن ارتفع عنهم قليلا ليبدأ بركلهم بقدمه حتى يبتعدوا عن دائرته التي يتطلع من بعدها إلى دائرة أكبر يحيط بها طيبون آخرون.
يحتاج مجتمعنا فتح معاهد ومراكز تدريب كما تلك التي بدأت تنتشر في أميركا على غرار دورات تطوير الذات، وفيها يتعلم الفرد كيف يستطيع أن يقول لا.. ليتخلص من السذاجة وفق مفهوم أميركي حديث يقول إن الطيبة وما يتبع ذلك من تسامح وتنازلات مرض خطير يجب التوعية بأخطاره وتعلم كيفية اتقائه، والسبب أن نتاجه كما المرض الصعب لأنه يفقد الإنسان تقديره لذاته، لتكون الطيبة عبئا أقرب إلى المرض، وليست صفة حميدة مع أنها في الأساس كذلك.
خلاصة القول أن الخبث من الشيطان.. فكم شيطان بيننا؟!

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.