.
.
.
.

الذي يتّبع و الذي يَهِيم !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

هل يمكن للعمل الإبداعي أن يتخذ موقفاً ؟! ، للوهلة الأولى أكتب : لابد له من ذلك ، على بُعد خطوتين أتخفّف ، أكتب : نعم يُمكن له و يُستحب ، خطوة أخرى تكفي لتشكّكي في هذه الـ " يُستحَبُّ " ! ، أتركها مُكتفياً بـ : نعم يُمكن له ، خطوة خطوتان و تتغيّر الحال : يُمكن نعم ، لكن لا يُستَحَبّ ! ، ثلاث خطى ، أربع ، أو خمس ، و أكتب : لا ، لا يُمكن ، و يبدأ درب جديد : أفصْل بين العمل الثقافي و العمل الإبداعي ! ، على المُثقّف واجبات ، و ليس للمُبدع إلا الحقوق ! ، يَلزَمُ المثقف اتخاذ مواقفٍ تجاه الأشياء : أحداثاً كانت أم قضايا و أفكار ، يحق له طبعاً تبديلها ، و يُستحب له و منه تطويرها ، لكنه في كل مرّةٍ يتوجب عليه أن يتخذ موقفاً ما ، و أن يُعلمنا مكان وقوفه ، و أن يجتهد لطفاً في اللغة و عنفواناً في الفكر و الحُجج لنتخذ مكاننا حيث موقفه ، هذه مهمة المُثقّف ، أمّا الفنّان المُبدع فأمره أن لا يأتمِر بشيء أو لشيء سوى ما يتطلبّه عمله الإبداعي لكي يكون عملاً إبداعياً فقط ! ، و رأيي أن أوّل و أهم متطلبات العمل الإبداعي : الحركة ، الحركة الدائمة الطّاردة لاحتمالات التوقف ، سر موناليزا دافينشي و مانح خلودها أنك حتى هذه اللحظة ، و إلى الأبد فيما يبدو ، لن تعرف أمرين : موقف دافينشي لحظة التبسّم و موقفك من الابتسامة ! ، و أدري دراية يقينٍ أن المتنبّي كان يكذب في أمر نومهِ عن شواردها ، لكنه أقدر شعراء الأرض على معرفة سر الفن الخالد : أن " يسهر الخلق جرّاها و يختصمُ " ! ، أن تظل القصيدة و قرّائها في حركة أبدية ، شعر نازك الملائكة في طريقه إلى أن يندثر ، ذلك أنها كتبته بناء على موقف محدد من الشعر ، بينما يخلد السيّاب على قدر طاقة الحركة في ما كتب ، و الشعراء أكثر من يعرفون كم هي طاقة أشعار السيّاب مَهُولة ، الكلام يجرّ بعضه و هي فرصة لأقول : رواية الأم لمكسيم غوركي صدمتني ، أتحرّى الدقة فأقول : ما لم تكن الترجمة التي وقعت بين يدي رديئة ، فقد صدمتني الرواية بتهافتها ، كل هذا المجد مصطنع ، و أمر خلودها وَهْمٌ ، ستندثر ، الآيدلوجيا ذبحتها ! ، و في القرآن الكريم تعريف هو الأعلى قيمة للعمل الأبداعي عامةً ، و إن خصّ الشعراء ، أستقي منه " يتّبعهم الغاوون " ، و " في كل وادٍ يهيمون " ، أتأمل في " يتّبعهم " و لماذا ليست " يتْبعهم " و أكتب : لأن " يتّبعهم " بتشديد التاء تعني تجدد استمرارية الحركة ، و يا لدقة التعريف و روعته _ و لا غرابة طبعاً _ حيث اتجه إلى المُتلقي في أمر الاتّباع ، لأن الشاعر " و الفنان عموماً " لا يتبع و لا يتّبع غير هواهُ ، غير هيامهُ ، المتلقي : يتّبع ، الفنان : يَهِيم !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.