.
.
.
.

التسريبات.. وسياسة كيد النساء

محمد الساعد

نشر في: آخر تحديث:

يقول الباحث والكاتب السياسي البحريني عبدالله الجنيد في وصفه للواقع السياسي السعودي: «السعودية دولة قوية وعميقة، وليست قبيلة لديها نفط».

جاء الوصف الدقيق للباحث الجنيد في أعقاب اختبار حقيقي ومهم، تعرضت له الديبلوماسية السعودية خلال الأسابيع الماضية، أثبتت فيه المملكة أنها ليست قبيلة لديها آبار نفط، وتعيش على هامش السياسة ودروبها ومزالقها الوعرة، بل هي دولة ذات مؤسسات عميقة، تتوارث أداءها وخطابها السياسي المتفوق منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وحتى اليوم، كما أنها عندما تريد إعادة إنتاج ذلك الخطاب أو تدويره أو إعادة تموضعه، فهي تعيده في شكل رشيق، لكنه راسخ لا يتغير. إضافة إلى أن القيادة السعودية الجديدة ممثلة في الملك سلمان بن عبدالعزيز، أكدت أن المملكة ليست «دولاباً» على قارعة الطريق، تستطيع أي دولة، أو تنظيم إرهابي، أو كاتب مقالة، أو مغرد، من أتباع التنظيمات السرية، تحريكها أو توجيهها في المسار الذي تريده.

منذ أن غيَّب الموت الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وتولِّي الملك سلمان عرش البلاد وسلطاته التنفيذية، بدأت تتشكل على تخوم الشارع السياسي العربي موجة سياسية هائلة لتهيئة بعض الخليجيين -ولاسيما السعوديين- إلى خصومة وربما قطيعة مع مصر، من خلال تسريبات «مزعومة» للقيادة المصرية قبل أن تتسلم الرئاسة.

لم يكن الهدف من نشر التسريب «الساذج» كشف المغيب في الجلسات الخاصة وخلف الأبواب المغلقة، بل كان اختباراً لفعالية جهاز الحكم السعودي الجديد، وما إذا كان صلباً، أو يعيش حالة سيولة، يمكن استغلالها، والتقدم إلى مساحات جديدة من الابتزاز السياسي، وأيضاً محاولة دفع ملك البلاد الجديد إلى اتخاذ مواقف سياسية، وانعطافات ديبلوماسية حادة تتبناها جماعة الإخوان وحلفاؤها في المنطقة، من أجل فك الارتباط والتحالف الاستراتيجي العميق بين السعودية ومصر.

إنها فضيحة سياسية مدوية، ارتكبتها خلطة غريبة مكونة من ديماغوجيين، ومديري إنتاج في قنوات «أبوقرشين»، وقياديين محسوبين على جماعة الإخوان المسلمون، وناشطين سبغتهم جماعات الإرهاب بسذاجة إمكانية اجتراح المعجزات السياسية، مع قادة دولة يفوقونهم ذكاءً ودهاءً متراكماً منذ 100 عام أو أكثر. فهل كان يدرك من خطط لتلك الحملة، وتلك التسريبات، أن دولة بحجم السعودية، وقيادة بمكانة الملك سلمان وإدارته المتمرسة على مدى عقود، يمكن أن تنجر إلى ذلك الفخ، وإلى مثل ذلك المستنقع السياسي الشعبوي؟ أو أنهم قادرون من خلال التهييج والتجييش إلى دفع المملكة إلى السير في ركابهم واتخاذ قراراتهم بالنيابة عنهم.

لقد كان ملخص موجة التآمر تلك، أقرب ما يكون إلى سياسة «كيد النساء» التي تلجأ إليها -عادة- جماعات ما يسمى «الإسلام السياسي»، والتحقت بها -وياللأسف- دول «شقيقة».

ذلك الكيد الذي جربته «الجماعة» وحلفاؤها قد يكون مفيداً، وقد ينجح بعض الوقت في التهييج ضد مثقف أو كاتب، أو تشويه مؤسسة إعلامية غير حليفة، لكنه -حتماً- سيسقط في اختباره أمام الجدران الصلبة. وأجزم أن نقل المملكة من موقعها الجغرافي إلى جوار كوريا الشمالية، أكثر واقعية من نجاح ذلك التسريب الغبي، فهؤلاء الحمقى سياسياً لا يقرأون واقع الجغرافيا السياسية والتاريخية السعودية-المصرية.

إن ما حدث يختصر بدقة رؤيتين موجودتين لدى من يتعامل أو يراقب الوضع السياسي السعودي، إحداهما: ساذجة ولا تتعلم من كل تجاربها السابقة مع الدولة السعودية، بدأت عندما أطلق بعض عرب الشمال سياسة «إن حب الخشوم تنسي السعوديين ما يرتكب في حقهم من جرائم»، وثانيهما: واقعية وتحترم التفكير والقيادة السعودية، وهو ما ينجح مع المملكة دائماً.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.