.
.
.
.

تطلعات المملكة لـعام 2030

محمد السديري

نشر في: آخر تحديث:

التنمية والتقدم والارتقاء بمستوى المعيشة والرفاهية للشعوب ليست وليدة صدفة ولا عديمة التخطيط، التنمية تحتاج إلى تخطيط شامل وتنسيق عال وكفاءة في الأداء وسرعة في الإنجاز. ففي الأسبوع الماضي، عقد مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية المؤسسان حديثا أول اجتماعاتهما، هذان المجلسان سيعملان على إحداث نقلة نوعية في النظرة المستقبلية للمملكة سياسيا واقتصاديا. إن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أنشئ لرفع كفاءة أداء الأجهزة الحكومية ولرفع درجة التنسيق بينهما لمنع الازدواجية وتسريع وتيرة التنمية، وكلنا أمل في أن تتحقق رؤية خادم الحرمين الشريفين ــ أيده الله بنصره وتوفيقه ــ في التنمية والتطوير والرفاهية. لن يغيب عن هذا المجلس ثلاثة مقومات رئيسية ستدعم مسيرة التنمية واستدامتها، الأول ما نمتلكه من عنصر بشري مؤهل سيعتمد عليه في التنمية والتخطيط والتنفيذ، وثانيا المزايا النسبية المختلفة لمناطق المملكة المختلفة وإمكانيات الاستفادة منها، وأخيرا ما تتمتع به المملكة من استقرار سياسي وقوة اقتصادية.

يمكننا في بداية القول أن نشير إلى أن المملكة بما لديها من إمكانيات بشرية ذات كفاءة عالية، وما تميزت به من موقع جعرافي، وبما تملكه من قدرات اقتصادية مؤثرة، وبما لديها من وضع سياسي مستقر لم تستطع في السنوات الماضية من اللحاق بركب بعض الدول المتسارع، والتي استطاعت أن تختصر الكثير من الزمن وأحدثت نقلة لها صداها محليا واقليميا. وهنا لا أريد أن أقول إننا لم نحقق شيئا، بل حققنا الكثير في الماضي، ولكن دون مستوى طموح القيادة ودون مستوى جميع الإمكانات المتوفرة. وكان بالإمكان تحقيق أكثر مما تحقق.

فعلى سبيل المثال، لو نظرنا إلى الميزة الجغرافية التي تختص بها المملكة نجد أنها لم تستثمر كما ينبغي، فموقعها الجغرافي يربط الشرق بالغرب ويعتبر محورا رئيسيا للطيران المدني، ماذا فعلنا لذلك، من وجهة نظري لا شيء، بل أخذت دول مجاورة الفرصة وأصبحت هي محورا رئيسيا لذلك، فشيدت المطارات التي تستوعب ذلك وقوت أسطولها الجوي، نحن لم نخطط جيدا لذلك، فلا مطاراتنا قادرة على الاستيعاب ولا ناقلنا الرسمي استطاع أن يلتقط الفرص السوقية، مع ملاحظة أننا في الآونة الأخيرة شيدنا بعض المطارات ووسعنا أخرى، ولكن السبق كان للآخرين، فلماذا؟

مثال آخر دبي، أحدثت نقلة في اقتصاديات المؤتمرات والفعاليات واستفادت منها ماليا، فهي تنظم مؤتمرات وندوات وفعاليات دولية عديدة بشكل دائم ومستمر، منها ما يتعلق بالاقتصاد والتنمية والتقنية والرعاية الطبية والسياحة والسياسة وغيرها، وتجد جل المشاركين من القطاعات الحكومية والخاصة السعودية، أليست هذه فرصة أخرى اقتنصت!

انظر إلى التخطيط في الرياض العاصمة وإلى جدة تجد أن ثلاث جهات تنظم وتخطط وتنفذ هم الأمانات ووزارة النقل وهيئة تطويرها، بل أنك تشاهد «كبري» تشرف عليه جهة، وبالقرب منه «كبري» آخر تشرف عليه جهة أخرى والجهة الثلاثة تجدها تشيد نفق أو كبري آخر بالقرب منهما. أليس هذا ازدواجية قرار وهدرا ماليا وجهدا بشريا؟ والسؤال الكبير هل يوجد بينهما تنسيق فعلي.

ما أود قوله أننا دولة حباها الله باستقرار سياسي وموارد اقتصادية ومساحة جغرافية، فلدينا الجبل والبحر والبر ولدينا القوة البشرية والكثافة السكانية وأكبر من ذلك لدينا مكة والمدينة، وعليه قد حان الوقت ولم يفت بعد لوضع رؤية شاملة وخطة استراتيجية مركزية شاملة لما نريد أن تكون عليه المملكة في السنوات العشر والعشرين والثلاثين القادمة والسنوات التي تليها، وهذا لن يتحقق إلا من خلال وجود تصور شامل متكامل يرسم خارطة مستقبلية للمملكة ويضع رؤية ومحددات تلك الرؤيا والتصور ويضع الأهداف الاستراتيجية وآليات تنفيذها، والتي نطمع لنقل المملكة إليها من خلال معرفة وتحديد نقاط قوتنا ويستثمرها وكذلك يدرس نقاط الضعف الموجودة بشفافية تامة ليحسنها ويدرس المخاطر المحيطة بها ليتجنبها أو يتعامل معها ويدرس الفرص ليقتنصها.

فالفجوة التي بيننا وبين الآخرين ليست بسبب ضعف الموارد الاقتصادية ولا بالكفاءة البشرية ولا بالمساحة الجغرافية ولا بالإرادة السياسية، بل بسبب قصور في التخطيط والرؤى الاستراتيجية الشاملة، وهي التي جعلت «لي كوان يو» يجعل من سنغافورة مركزا اقتصاديا متحديا قلة الموارد الطبيعية، ولكنه وفريقه عرفوا نقاط قوتها ونقاط ضعفها فرسموا رؤيتها ومستقبلها، وها هي اليوم قوة اقتصادية. وكوريا الجنوبية في ثلاثين سنة بنت نفسها بعد حرب مدمرة، فأصبحت كوريا اليوم قوة اقتصادية مؤثرة، وكذلك مثيلتها اليابان، ودبي وضعت لمستقبلها خارطة وشيدت مقوماتها فها هي اليوم محط أنظار العالم، والأمثلة كثيرة.

نحن اليوم نحتاج لرؤية ومسارات واضحة نحتاج لتنسيق عالٍ مركزي يجعل منا قوة أكبر تدفع مسيرة الوطن للأمام. نحن أمام منعطف سيشهد له التاريخ متى ما استثمر بالشكل الصحيح كما خطط له صاحب القرار... وللحديث تتمة.

تقلاً عن صحيفة عكاظ

http://www.okaz.com.sa/new/issues/20150214/Con20150214753072.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.