واقع التدريب الصحي بالمملكة
محور أساسي من محاور الارتقاء الصحي بالمملكة، و تطوير الخدمات الصحية هو التدريب و التطوير، و لا يمكن أن تتم هذه المهمة دون وجود رؤية واضحة شاملة، تترجم الهدف الأساسي من التدريب، و وجود بيئة مناسبة له، وتوفير الخبرات اللازمة للإشراف على هذا التدريب، و لا يخفى على الكل أهمية التدريب و التطوير خاصة بالمجال الصحي، و ذلك لما يستجد من أبحاث و سبل للعلاج و التعامل مع الأمراض، و استحداث النظم و الأجهزة الجديدة، و لن تدار عجلة التدريب الصحي إلا بوجود كفاءات تستطيع قيادتها، و بتعاون الإدارات المتداخلة معها في هذه المهمة.
لو سلطنا الضوء على التدريب الصحي، و ناقشنا ما تم وما يتم من اهتمام بالتدريب الصحي، و مواضع الخلل و القصور فيها، فيجب علينا معرفة من المسئول عن التدريب و ما مهامه ؟!! سنجد أن الجزء الأكبر من هذه المسؤولية يقع على الإدارة العامة للتدريب و الابتعاث بوزارة الصحة، و جزء آخر يتقاسمه القطاع الصحي العسكري و الخاص و غيرها من مستشفيات التعليم العالي، و لكي نستطيع نقاش المسؤولية الملقاة على عاتقهم، و بالرجوع لمهام الإدارة العامة للتدريب بموقع وزارة الصحة، نجد سبعة نقاط من المسؤوليات كلها مختصة بالابتعاث الخارجي !!! ما عدا نقطة واحدة كتب بها ( أي مهام تكلف بها الإدارة في مجال اختصاصها ) ، و لم نرى بالموقع معيار واضح ما الذي يحدد مجال اختصاصها!! فهذه الجملة سلاح في يد مدير هذه الإدارة و المسؤولين ضمن إدارته، فهل الاجتهادات الشخصية هي التي تحدد ما الذي في مجال اختصاصها من عدمه، أو أن هناك لوائح تحددها و ليست معلومة لدى الجميع، و لو عدنا إلى النقاط التي تختص بالابتعاث الخارجي، فعلى الرغم من الاهتمام بهذه النقطة، فهناك نقاط تخطر في البال، هل الإدارة تقوم بتسهيل أمور القبول بالجامعات؟!! هل تساهم الإدارة في البحث عن معاهد اللغة؟!! هل تتعاقد الإدارة مع جهات للاستقبال و تأمين السكن المناسب للمبتعث؟!! هل كل هذه النقاط يقوم بها الموظف المبتعث بنفسه؟!! و يسعى خلف شركات لتوفر له ذلك، مع العلم أن من يرى مهام الإدارة أغلبها تتطرق للابتعاث، يعتقد أن طالب الابتعاث ما عليه إلا أن يقول ( أريد الابتعاث ) فتنفتح أمامه الخدمات لتسهيل مهامه.
بعيداً عن الذي كتب بموقع وزارة الصحة، الإدارة العامة للتدريب و الابتعاث تقوم بمتابعة الابتعاث الخارجي، و الايفاد الداخلي و متابعة طلبة الامتياز من الجامعات و المعاهد، بالإضافة إلى التدريب المستمر للموظفين، و النقطة الأبرز هي التدريب و التعليم المستمر للموظفين، و هنا عدة علامات استفهام، من يقوم بهذه الأنشطة و من يشرف عليها؟! للأسف و من المعطيات التي ترى في واقع المؤتمرات و الدورات، نجد أن هناك من يحاول الرقي بها، و هناك من يجرها نحو التجارة المادية، و هناك من يجعلها مجرد منظر لا مضمون، أين موقع إدارة التدريب من كل هذا؟! لنتكلم بواقعية، هناك الكثير من الفعاليات التدريبية تواجه قلة في الحضور، و تواجه رغبة في الحصول على شهادات فقط دون حضور، ترا ما الذي أخذ هذه الفعاليات لهذا المنحنى ؟! عدة عوامل ساعدت لتصبح الفعاليات مجرد افتتاح، ثم محاضرات يستفيد منها أقل من ١٠٪ من العدد المستهدف، من أهم هذه العوامل التوجه المادي، فكيف تتوقع من الموظفين دفع مبالغ عالية إضافة لأعبائهم؟!! عندما تسعى إدارات التدريب بالمناطق و المحافظات لدعم الأنشطة العلمية، و تواجهها إدارات مالية يهمها مقدار الدخل العائد، و مدى الفائدة المادية المرجوة للميزانية، و تتناسى أن الاستثمار في العقل البشري هو الأهم، عندما نرى الأنشطة بمبالغ عالية، و يصبح الموظف مجبراً على البحث عن الأرخص لا البحث عن الأكثر فائدة علمية، هنا أصبحت تجارة، وعندما يلزم الموظف بجمع ساعات تعليمية، و بالمقابل لا يعطى إجازات للحضور، فهنا يدفع للبحث عن شهادة بالمال دون الحضور.
لكي يتطور التعليم المستمر لابد من الالتفات لنقاط مهمة جدا، منها التشديد على مختلف الإدارات بتفريغ منسوبيها، و إعطائهم إجازات تعليمية لحضور الفعاليات، و لابد من توفير قاعات مناسبة تبتعد عن الكآبة، لتكون بيئة مناسبة للتدريب، ومما يساهم في التطوير الاهتمام بدعم الأنشطة مادياً من بنود التدريب، و تحمل جزء كبير من كلفة تدريب العاملين بالصحة، وهذه الأنشطة بحاجة لمنهجية واضحة تضمن شمولية التدريب لأغلب التخصصات الإدارية و الصحية، و هناك الكثير من المعوقات التي يواجهها التدريب إداريا و ماديا، و التداخل مع الإدارات المالية، وصعوبة توفير احتياجات التدريب من قاعات و إقامة الفعاليات، كل هذا يسبب تدهور الحركة العلمية التدريبية بالصحة.
إدارات التدريب و الابتعاث بالمناطق و المحافظات بها ايجابيات و سلبيات، و لكن من يتحمل سلبياتها الحالية، هل السلبيات الموجودة بها الآن من نقص الموارد المالية ، و هل نقص التجهيزات اللازمة من ضمن صلاحياتها؟!! أم هو تضييق الإدارات المالية عليها، و يبقى السؤال يتكرر، هل الميزانية لا تكفي، أم هناك أوصياء قرروا بأن الاستثمار في التدريب ليس مهم، و الأهم هو توفير الميزانيات لصرفها في غير موضعها، أو ارجاعها في نهاية السنة بفخر أنها لم تصرف !!!
أتمنى من المعنيين في وزارة الصحة، البحث عن طرق تطوير التدريب، و إعطاء الصلاحيات المالية لإدارات التدريب بالمناطق و المحافظات، فهم الأكثر ادراكا أين تصرف ميزانيات التدريب، و ما يصب في مصلحة القوى العاملة و تطويرها.
كاتب مهتم بالتوعية المجتمعية و تطوير الخدمات الصحية
5rbshatsinan@