.
.
.
.

الأرض لا تلف ولا تدور

مها الشهري

نشر في: آخر تحديث:

قدم أحد الدعاة رأيا أثار التندر حول مسألة نفي حركة الأرض ودورانها، وليس هناك مجال للدخول إلى جدل حول هذه المسألة، فذلك الداعية قدم ما لديه من المنطق الذي رآه صحيحا، وله الحق في الاعتقاد بما يريد، ومن جانب آخر فليس من الجيد أن يعد ذلك مأخذا على الدين إذا كان من قاله يتمثل موقف الدعوة إليه.
غير أن الأمر ليس بالجديد، فهناك الكثير من الآراء التي تحاول أن تبني حالة من الخصوصية الفلسفية أو العلمية بمعزل تام عن العقل الغربي القائد للسيادة الحضارية، والمتصدر للمسيرة الإنسانية منذ خمسة قرون مضت.
السؤال هنا لا يتعلق بمدى الرؤية لمشروعية العلوم الغربية كنظريات وأبحاث، إنما في مدى ارتباط العقل العربي بالتراث. وهذا ليس بالبعيد عن مواقف الجدل التاريخية بين الفلسفة والعلم، لكن الأمر هنا يتخذ شكله في نفي أساليب النمذجة للمواضيع المدروسة في العلم الحديث، وفرض صيغ العقل والإدراك عليها، في حين أن هذه المقاربة الفكرية تقع رهن المشادة بين خطين متعاكسين، أي بين حدة النقد الغربي وبعض أشكال التزمت الفقهي القائم لدينا.
من الملاحظ أن التراث كمنطلق يوضع على المحك العلمي كمنهج، هذا بالرغم أنه من الممكن تحليل البنية العقلية من خلال دراسة التراث أيضا، وبما أن التراث هو تاريخنا الذي يستضاء بأدواته المعرفية ومفاهيمه الخاصة فإن هذا لا يعني فقدانه للقيمة، ولكن علينا أن نعلم أنه لا يمكن إحراز أي تقدم تاريخي وحضاري بغير دراسة التراث ومقاربته لأساليب العلم الحديث، وذلك بالخروج عن اعتبارات الحالة الثقافية التي تسيطر عليها الأيديولوجيا المنظمة تجاه العقل العربي والمسلم.
وبما أن الاجتهاد متاح فلا يمكن أن ننكر أن هناك احتياجات علمية راهنة في الفكر الإسلامي، قد تصل إلى ضرورة فرض قراءة حديثة للنصوص الدينية، وهذه الطريقة التي تمكن من اختراق القضايا المسلّمة والموضوعة بطريقة لا تحتمل التفكير، من حيث المنهج أو النتيجة لكل المحاولات السابقة، وهذا يعني أن على الخطاب الديني أن يتبنى كل التساؤلات التي تطرحها الأنثربولوجيا الدينية والثقافية والاجتماعية، إذا كان هدفه الحقيقي هو البحث العلمي مع إبقاء التأصيل للعقيدة التي يبنى عليها الدين.

نقلاً عن صحيفة الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.