فتاوى بروح العصر
لكل عصر روحه، وله شروره! ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره. هكذا قال فولتير. وقد تأملت هذه الكلمات في جوانب الحياة وأبعادها وجربتها كثيراً بصفة شخصية. وهي الآن مفتاح لما أتحدث عنه في هذه المقالة (فتاوى بروح العصر).
فقبل أيام قليلة تفضل بالاتصال عليَّ عضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، يخبرني أنه تكرم بإرسال إهدائه إليَّ وهي مجموعة مؤلفاته، والحق أنني كنتُ شغوفاً بعلمه؛ كونه مالكي المذهب، وعضواً فاعلاً في هيئة كبار العلماء، ومن أسرة عريقة في العلم والمعرفة والعرفان.
وكان من جميل الإهداء كتاب الشيخ (من فتاوى العصر في نوازله ومستجداته)، والذي دخلت في قراءته منسجماً ومعجباً بأجوبة الشيخ على أسئلة عصرية لأمور تحدث في حركة الحياة الفردية والجمعية، وفي جميع أبواب الفقه ذات العلاقة بالإنسان وتعاملاته. وقد تميزت فتاوى الشيخ المبارك في وعيه لظروف العصر ومتغيراته، وقراءته المستبصرة لمستقبله ومآلاته، وهذا ما يجعل الفتوى صالحة لمجموعة أكبر من البشر الذين تختلف ظروف معاشهم، وتتنوع أمكنتهم والقوانين المشرّعة لشؤون حياتهم.
وهذه السمة هي ما تفتقر إليه الفتاوى الآنية والإقليمية المحدودة، والتي تفتقر إلى الثقافة الواسعة للمفتي وحركته في الحياة، كما اتسمت فتاوى الشيخ بسعة الأفق والبحث عن الأرفق والأوسع، وهو ما كان على الشأن إبان الفقه الروحاني، إذ قال سفيان الثوري: «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصَةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ»، وهو مبني على القاعدة الكلية في التشريع الرباني في قول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) متفق عليه.
وهو ما أَسَّس عليه الشيخ المبارك طريقته، إذ يقول في المقدمة: (فمقصود الشريعة الإسلامية من أحكامها، أن يسير الناس في قضاء شؤونهم المعاشيّة خلال الحياة الدنيا على هذه الأرض سيراً يحقق لهم السعادة ويدفع عنهم المشقة والعنت، فالشريعة خير كلها، ومن أجل ذلك راعت في تشريعها طبائع النفس البشرية، كما راعت عوائد الناس وأعرافهم في تعاملاتهم المدنية)، ومما تميزت به الفتاوى العصرية للشيخ المبارك هو الاستدلال للاجتهاد، الذي يصل إليه في مستجدات العصر ونوازله، بفهم من كتاب الله، أو من السنة الصحيحة عن رسول الله، أو بنقل اجتهاد الصحابة الكرام، أو من قاعدة كلية أو فرعية في الفقه الإسلامي. وعلى ضوء ذلك يصوغ الشيخ فتواه التي وصل إليها إيمانه واجتهاده.
كما لفت انتباهي أن الشيخ يقدم النصيحة للمستفتي فوق ما كان يسأل عنه، وهذه ميزة في الوعي تجعل العلاقة بين المستفتي والمفتي علاقة إنسانية تتجاوز مجرد السؤال والجواب. والشيخ يؤد ذلك بقوله: (فالفقه الإسلامي ليس أحكاماً تلقى في فراغ) وهكذا فليكن الفقه والإفتاء، وعلى مثل هذا فنحن نتجه إلى تكامل بين الدين والحياة تتحقق فيه حكمة الخالق في خلقه.
وفي المقابل يجب أن يكون هناك مشروع جاد لتخليص الفتوى من التشدد والتنطع، ومن محدودية الوعي وقصور النظر، وليكن ذلك بضخ دماء جديدة من أهل العلم والوعي في مجالس العلم ومنظماته الفقهية، كما يتطلب ذلك تدخلاً في طرائق التعلم في الجامعات، بأن يتحول من التلقين إلى البحث والمدارسة والتمرين العملي على الاستدلال والاستنتاج، ثم تتم تقوية من تظهر نجابته ونبوغه.
فالناس لن يستغنوا عن الفقيه وأجوبته، لكنهم سيحسنون اختيار من يسألون، ممن لا يعطِّل حياتهم بتعنته وتقليديته الرتيبه، ونحن الآن في عالم الاتصال الذي يكشف الضحالة أمام الحقيقة (ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره).
نقلاً عن صحيفة الحياة