عفواً؛ ما أكلم حريم.. خلي رجال يكلمني
هذه جملة حسّنتُها بإضافة كلمة اعتذارية "عفواً" نادراً ما ترافق الجملة التي تلتها.
تناولت في مقالة سابقة حالة منع النساء من دخول المباني والمؤسسات الرسمية وتركهن للانتظار في الشارع، واليوم أرغب في تسليط الضوء على التعامل الذي تلقاه النساء من بعض الموظفين الرسميين داخل المؤسسات الرسمية والذي يصل إلى نفس النتيجة، إقصاء النساء إلى أقصى حد، ومحاولة فهم أبعاد ذلك.
الحالة المعروضة، امرأة راشدة ترافق زوجها إلى مستشفى للحصول على علاج خاص. لم توافق إدارة المستشفى على أن تسجلها مرافقة لزوجها لتبيت في المستشفى وطلبوا رجلاً. وعندما طلبت من طبيبه الاستشاري المعالج أن يبلغها بما استجد من أمر زوجها باعتبارها الأكثر معرفة ومتابعة وفهماً لحالته، رفض الطبيب من أن يتحدث معها أو على الجوال وطلب رجلاً ليحدثه، كما رفض أن يبلغها متى يمر على زوجها لتكون موجودة وتسمع منه مباشرة بحجة أنه لن يقوم بذلك إلا للمريض نفسه أو المرافق "الرجل"، لكن الزوج عنده مشكلة في الذاكرة والرجل المرافق غير متوفر، لكن الطبيب أصر على موقفه الاستفزازي على الرغم من معرفته بعدم نظاميته وتعارضه مع حقوق المرضى كما بلغته بذلك إدارة المستشفى وعلاقات المرضى، دون جدوى، فلا يبدو أن هناك جزاء لهذا النوع من إساءة المعاملة، ومن أمن العقوبة...
والحالة الثانية، أم تحاول الاتصال بمدرسة ابنها لتستفسر عن وضع ولدها الدراسي، فيرفض المدرس أن يتحدث إليها ويطلب التحدث مع أبيه. ولا أريد أن أدخل احتمالات أن تكون المرأة أرملة أو مطلقة، وأبناؤها في حضانتها وما إلى ذلك من تبريرات، فهذا لا علاقة له بالموضوع، فالموضوع هو تلميذ تستفسر أمه عن أدائه الدراسي وهو حق لها وله.
ماذا نطلق على هذه الحالات، سوف نبدأ بالطبع بالقول بأنها حالات فردية، لكن توصيفها بالفردية لا يبرئها من المسؤولية ومن تحمل وزر قائمة من المخالفات القانونية ناهيك عن الشرعية التي يدعي البعض أنه يلتزم بها برفضه التحدث مع امرأة ذات حاجة وهو في موقع عمل يخدم حاجتها وسياقه يدور في إطار العمل المكلف أمانةً بأدائه، وموقعه يُلزمه بالرد وخدمة الجمهور بغض النظر عن جنسه، ومن غير المفترض أن تكون كل النساء المراجعات من قرابته أو محارمه حتى يمكنه أداء عمله.
من أين هبط علينا فقه عدم التحدث إلى امرأة أو التعاطي معها وهي صاحبة حق أثناء أداء العمل؟ كيف يبرر هؤلاء لأنفسهم الراتب الذي يتقاضونه وهم يعطلون عمل وحياة الناس فضلاً عن تبعات هذه التصرفات التي قد يترتب عليها تعطيل للمصالح وإضاعة للوقت والجهد والمال والعمر دون وجه حق، فضلاً عن حالة الإهانة التي تجد نفسها فيها وكأنها ترمي شيئاً غير مشروع من هذا الرجل المريض.
إن أداء العمل لا يعرف رجلاً وامرأةً، كبيراً أو صغيراً، أبيض أو أسود. تأدية العمل هو واجب مجرد من استحساناتنا وتفضيلاتنا الشخصية التي لا مكان لها في العمل وموضعها داخل البيت، أما المؤسسة العامة فهي حق عام للجميع.
وعند السؤال حول مصدر هذا النوع من التصرفات ينبغي توضيح وتثبيت معلومة أن هذه التصرفات غير فردية وليست نادرة وليست غير مهمة فهي تصرفات متكررة وليست قاصرة على شخص في مستشفى أو محكمة أو مدرسة وإنما يتعداه حتى لبواب في دائرة حكومية. وانطلاقاً من ذلك نجد أن هناك ضرورة لمعرفة مصدرها، فمن الواضح أنها نتاج ثقافة "ما" مشتركة. فأين هي هذه الثقافة؟ حسناً، لنترك السؤال مفتوحاً وننتقل إلى النقطة الثانية.
ما هو ناتج هذا التصرف؟ فهل هناك أي بند في أي قانون من قوانيننا وأنظمتنا ينص على أن من يمتنع عن الحديث إلى امرأة سيواجه التأديب أو الخصم أو الفصل على سبيل المثال؟ أو هل هناك تنبيه على أن واجب الموظف في أي مرتبة كان، أن يرد على كل متسائل ومراجع بغض النظر عن نوعه وجنسه ودينه إلخ؟ طبعاً لا يوجد بهذه الصيغة التي قد لا تبدو منطقية نظراً لبداهة الواجب، مما يدلل على أن هناك ضرورة للالتفات لكافة الصيغ المنطقية وغير المنطقية لتتمكن هؤلاء النساء من ملاحقة هؤلاء المتعدين على حقوقهن من ملاحقتهم قانونياً.
نقلاً عن صحيفة الرياض