.
.
.
.

المرأة التي لا تخاف من الصراصير

عبير الفوزان

نشر في: آخر تحديث:

لو قُدر لي أن أفاضل بين امرأتين لشغل وظيفة قيادية لاخترت المرأة التي لا تخاف من الصراصير. ليس لأنها امرأة جبارة، بل لأنها استطاعت أن تفرق بين ما يثير الاشمئزاز وبين الخطر الحقيقي الذي يحدق بها.
ربمامثل تلك المفاضلة ستخلق لي عداوات كثيرة من النساء، ولاسيما أقرب قريبة لي، تلك التي ما أن ترى صرصوراً حتى تخرج من المكان بطريقة فزعة مضحكة، أو تعتلي الأثاث وتصرخ بشكل هيستري يجعل شهود الحادثة يغرقون في الضحك.
لماذا المرأة تخاف من الصرصور الذي لن يلدغها ولن يبتلعها، ولن يقرصها حتى؟! سؤال يجعلك تبحث عن الإجابة بين النساء، ولعل أغرب إجابة تلك التي قالت: «خوف معظم النساء ليس حقيقياً، بل هو بالعدوى من بقية النساء لتُشعرك بأنها كيوت!».
في عام 2009، في مراكش، خلال اجتماع لوزراء الخارجية العرب مع نظيرتهم الأميركية هيلاري كلينتون، ظهر صرصور من النوع الراهي، متبختراً أمام الوزيرة السابقة، وكأنه اختارها بالذات ليفرد عضلاته، ونقلاً عن الصحف التي نقلت الحادثة عن مصدر مُطلع أن الوزيرة فزعت وصرخت، وبما أنه لم ينشر أي تسجيل حول هذه الحادثة ولم نرَ الوزيرة وهي تصرخ، فإنني لا أصدق خوف السيدة كلينتون من الصراصير، ولاسيما عندما أسترجع الفزع والدهشة المصطنعتين التي ارتسمتا على محياها، وهي تشاهد عملية تصفية أسامة بن لادن، والأخرى وهي تشاهد تسجيلاً لسحل معمر القذافي.
هيلاري كلينتون تجيد تمثيل دور المتفاجئة والفزعة، كأي امرأة، على بالها «كيوت»، لكنها في الواقع «ياجبل ما يهزك ريح»، فمن الممكن أن تتلقى رمية حذاء من سيدة، وبدلاً من أن تغضب أو تستهجن، فإنها ستمثل الدهشة مع ابتسامة. لا الصرصور في مراكش، ولا ثوب مونيكا الأزرق، ولا سحل القذافي، ولا الحذاء الذي أخطأها رمياً ذو تأثير في وزيرة الخارجية السابقة والمرشحة لخوض سباق الرئاسة المقرر عام 2016. ولكن ما تواجهه كلينتون اليوم هو فزع وخوف حقيقيان، على خلفية اكتشاف أن الوزيرة التي لا تخاف من الصراصير، ربما كانت تخاف من البريد الإلكتروني الحكومي، فكانت مراسلاتها الإلكترونية الحكومية تتم عبر بريد إلكتروني خاص يتبع لمؤسسة زوجها بيل كلينتون، وهذا يعد خرقاً للقانون.
طبعاً حكاية البريد الإلكتروني، وعدم دفاع البيت الأبيض عنها، ولاسيما أن الوزيرة السابقة لم تكن تملك أساساً بريدياً حكومياً كل ذلك مؤشرات وعراقيل لا تزاح بتمثيل فزع أو دهشة، وعلى هيلاري أن ترفع راياتها وتكشف أوراقها، وبريدها الإلكتروني لتتم أرشفته كما هو معمول به، وإلا فإنها ستتعرض للمساءلة، ناهيك عن تباعد الحلم الرئاسي، بسبب حرصها الزائد وخوفها من البريد الحكومي.
بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يوافق الثامن من شهر آذار (مارس) أهدي مقالتي هذه إلى المرأة التي لا تخاف من الصراصير، ولا تخرق القانون في مراسلاتها الرسمية، وتتعامل مع بريدها الإلكتروني التابع للجهة التي تمثلها بصبر وأناة، حتى لو لاحقت الرسائل في «الجنك ميل»، أعانني الله وإياكم على الصراصير، والرسائل التي تُرسل ولا تصل، والمتربصين.

نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.