.
.
.
.

للمرة الألف.. موتني بكرة

عبده خال

نشر في: آخر تحديث:

«الله لا يكتبها على أحد» كما يقول العامة.
والكتابة المقصودة هنا أن تجد نفسك في (ورطة) أو محنة ولا خلاص منها سوى الاحتكام لأمر واقعك مع أنه كان بالإمكان تجاوز تلك المحنة بيسر وسهولة لو توفرت الخدمة الواجب توفرها.
نجد أنفسنا أحيانا ضحايا جاهزة للعطب بسبب القصور الخدمي في مرفق من المرافق ولا تستطيع فتح فمك ببنت شفة.. حسنا، سأروي لكم قصة قد تكون تكررت وسوف تتكرر ولن تزعج أحدا سوى من اكتوى بنارها أما ما عداهم فسينظرون إليها أنه القضاء والقدر.
أحد المواطنين أصيبت والدته بجلطة دماغية، فانتقل بها مباشرة لأحد المستشفيات الكبرى بمدينة جدة، وهناك صدم لعدم توفر غرفة عناية فائقة، وطلب منه التنسيق مع مستشفيات أخرى لقبول حالة والدته، ومضى الوقت وهو منشغل بالاتصالات بكل مستشفيات جدة الخاصة والعامة وكان الجواب في كل الحالات الاعتذار عن عدم توفر غرفة عناية.
هذه هي الحالة إلى نهاية كتابة هذا السطر.
أما ما سوف يحدث للسيدة المصابة من مضاعفات فليس أمرا مهما عند المسؤول عن توفر وكمال الخدمة الصحية.. إذ ليس مهما أن تكون مدينة كجدة قادرة على استيعاب ساكنيها وتوفير الخدمة الطبية في أدق احتياجاتها، فإذا كانت مستشفياتها عاجزة عن توفير سرير فهي بلا شك عاجزة عن توفير غرف عناية مركزة.
ومع كل تغير وزاري نسمع عن جدية الوزارة في حل هذه المعضلة الدائمة وحل توفير السرير الطائر أو الزاحف وهي الوعود الخاصة بمستشفياتها أما الآن فقد دخلت معها في هذا العجز المستشفيات الخاصة.
وأذكر أني كتبت عن تلك التصريحات منطلقا من صدق المثل الشعبي القائل «احييني اليوم وموتني بكرة»، فهو مثل يبحث عن صحة واقعة قبل البحث عما سوف يحدث من تطور لهذا الواقع في الغد، والمثل يرفض الوعود البراقة التي تسعى لتغطية راهن فاض به الضيق فلم يعد قادرا على انتظار الغد. وكنت وما زلت تنتابني حالة من الدهشة حيال الإعلان عن مشاريع مستقبلية براقة لأي مرفق خدمي، بينما واقع ذلك المرفق مترد حاليا ولا يمكن له أن ينهض من رقدته ولو بالطبل البلدي، وإذا جابهت المسؤول عن تردي إدارته أو مرفقه سارع بالإعلان بأن لديهم خطة مستقبلية سوف تزيل كل معاناة قائمة، ولكي لا يدان بتصريحه ذاك يضرب لك موعدا لما تفوه به بسنوات (قد تموت أنت أو هو قبل أن يظهر ذلك المشروع)، والأمثلة على هذا كثيرة وكثيرة جدا، سواء على مستوى الطرق الداخلية الطويلة، أو على مستوى المطارات، أو على مستوى تصريفات السيول أو الأمطار، أو على مستوى النقل العام، أو على مستوى المدارس، أو على مستوى تنظيم الأسواق.. كل هذه المشاكل يضرب لها موعدا بعيدا لكي تكون في أفضل حالاتها.
وقبل مدة زمنية سابقة وفي عهد وزير سابق.. أعلنت وزارة الصحة عن خطة مستقبلية لإنشاء 100 مستشفى جديد وإضافة 33 ألف سرير ورافق ذلك الإعلان حزمة من البشارات التي ليس لها معنى في ظل تدهور وضع المستشفيات الحالية وغياب الخدمة المقبولة أو السرير الواجب توافره في الوقت الراهن وليس بعد خمس أو عشر سنوات.. فالواقع يجسد معاناة حقيقية لوعود خرجت من أفواه مسؤولين في وزارة الصحة وإلى الآن يدوخ المواطن وربما يصرع قبل أن يجد سريرا شاغرا. وفي ظل تلك الوعود المستقبلية نتمنى على المسؤولين الاكتفاء بإصلاح الواقع، أما مشاريع المستقبل فدعوها تتكلم عن نفسها حينما تظهر على أرض الواقع، وأن لا تكون مسكنا بعيد الأثر، وهنا أردد نفس المقولة التي ختمت بها مقالتي السابقة «احييني اليوم وموتني بكره».

نقلاً عن صحيفة عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.