مواجهة البنية الفكرية للتطرف
مواجهة التطرف لا يمكن لها أن تتحقق إذا ما تم التوقف فيها عند مواجهة ما يصدر عن التطرف من أحكام وما ينبني على تلك الأحكام من تصرفات ومواقف، ذلك أن هذه الأحكام والمواقف والتصرفات ليست سوى محصلة لبنية فكرية، وما لم تتم معالجة هذه البنية الفكرية، فإنها ستظل قادرة على توليد حكم وموقف وتصرف في كل مقام توجد فيه، وسيظل كل ذلك متسما بما تتسم به تلك البنية الفكرية من تطرف، كما أن من شأن التوقف عند معالجة الأحكام المتشددة والتصرفات المتطرفة أن يدفع أصحاب تلك العقلية أو البنية الفكرية إلى مزيد من التشبث بما يفعلون، فهم لا يرون في تصحيح أحكامهم ومعالجة تصرفاتهم إلا حملا لهم على مخالفة ما يؤمنون به وصرف لهم عما هو منسجم مع تصوراتهم وطريقة تفكيرهم، والأخطر من ذلك كله أن يصبح تقبلهم لما يتم من تصحيح لأحكامهم ومعالجة لتصرفاتهم مظهرا من مظاهر التقية التي تجعلهم الظروف قابلين بما يتم تصحيحه وتقويمه متطلعين إلى تغير تلك الظروف كي يعودوا إلى ما كانوا عليه.
معالجة التطرف والتشدد لا يمكن أن تتحقق بما ينتج على السطح من أحكام وتصرفات، وإنما بتصحيح طرائق التفكير نفسها، طرائق تلقي المعرفة، وطرائق التفكير في تلك المعرفة، وآليات استنتاج الأحكام من تلك المعرفة، وكيفية بناء التصرفات على تلك الأحكام ومعرفة ما هو قار منها وما هو متغير بتغير الظروف والعصور.
نقلاً عن صحيفة عكاظ