من التسعين..!
لن نصحو ولن نستيقظ من غيبوبة الجهل إلا بضوء المعرفة.. وضوء المعرفة لن يشتعل إلا من الفتائل المغموسة في عرق الكفاح والتعب الجاد والعمل الصادق والمخلص، والمعرفة العلمية العميقة، وسبق أن تحدثت عن معضلة "جهالتنا" وأشرت إلى أنه ليس هناك أكثر فتكاً من الجهل شيء!! وأجهل الجهل أن تدعي العلم بشيء وأنت لا تعرفه..! أو أن تأخذ منه طرفاً يجعلك أكثر جهلاً به، فأنت بذلك تزيد الإساءة، بما تظنه علماً ومعرفة!
أقرأ أحياناً في بعض مطبوعاتنا حرصاً على الاستزادة من المعرفة، والاكتشاف، والإبداع.. غير أنني في الغالب لا أجد شيئاً ذا بال فأصاب بالقنوط، واليأس من صلاح الحال.. فعندما أذهب إلى الشعر لا أجد شعراً يبهج الخاطر ويسر القلب إلا فيما ندر.. وأذهب إلى الرواية فلا أكاد أسير فيها بضع خطوات حتى أتعثر، وأسقط من كثرة الحفر، والجفر، والركاكة، وقلة الذوق، وفساد النية الفنية.. فأذهب إلى كتابة الفكر فلا أجد في الغالب إلا مماحكات، وجهالات، ومكاوحات، وضلالات، وبغضاء تقطر منها رائحة النتن، لا رائحة العقل، والحكمة.. وأذهب إلى الفلسفة فأشفق على الفلسفة.. إذ لا أجد إلا الإمعان في السقوط، والإيغال في الارتباك، والتخبط، والمماراة بالجهل، واستعارة عقول الآخرين، وابتزاز المواقف، واستعلاء الصغار، والإرجاف من الدهماء، والرعاع، والذين أصبحت لهم أرجل تقوم مقام الرؤوس والافهام..! وكنت ولا أزال أطرح هذا السؤال الملح صباح مساء: لماذا إلنا إلى ما إلنا إليه؟ ما السبب؟ فالمعرفة تزداد يوماً بعد يوم، وبابها يتسع، والأضواء لا تتزاحم كما يقال، والعقول الرفيعة تعرف مسالكها، ولا تخطئ دربها نحو الحقيقة.. كما أنها لا تبتئس بشيء كما تبتئس بالضلالة، والانحراف..!
إذاً ما السبب؟!.. أعود وأقول كما بدأت إنه الجهل. فلا أدبَ حقيقياً، ولا إبداعَ حقيقياً بلا معرفة عميقة بأصول اللغة وعبقريتها، ولا أدبَ حقيقياً بلا تعمق جاد، وتبحر، واطلاع واسع وإلمام بأبواب هذا الفن، وأصوله، ومذاهبه، وحفظ متونه، والإلمام بغرائبه.. فلا شيء يولد من الفراغ، وما أكثر أصحاب الفراغ الذين يريدون أن ينتجوا أدباً رفيعاً فيسقطون في أول درجة من درجات الصعود.. ولا فكرَ حقيقياً إلا بقراءة جادة ومتأنية جامعة، ذاهبة مذاهب عميقة في مناحي الإبداع العقلي للإنسان، ومن ثم التوصل إلى معطيات فكرية قائمة على أسس الحق المشاع في حرية الإرادة، وحرية العلم والمعرفة، بعيداً عن الانتقائية، والتربص، والتشفي، فذلك مخل بالإمانة الأخلاقية لروح المعرفة، ومخل بأصول المحبة الإنسانية.
ولا فلسفة حقيقية يمكن أن تخرج من رؤوس فارغة لا شيء فيها إلا طنين الكراهية، والكيد، والجنوح، والاعتداد بالسفاهة، والمجانة، والزيغ، والمهارشة، واعتبار عقول الآخرين مطافئ للرماد. بينما يرون أن فقاقيع طفحهم لآلئ من نور..!!
إذاً فلنعترف أن أزمتنا الحقيقية هي أزمة جهل بواقعنا، بأدائنا وأدواتنا، أزمة جهل حتى بالطريقة السليمة التي ينبغي أن نسلكها للتفاهم فيما بيننا. فكل منا يفخر ويزدهي بأنه: (فوق جهل الجاهلين..) ممارساً أسوأ أنواع التضليل، انظروا مثلاً إلى مشاكلنا السياسية وكيف يدافع بعضهم عن المحتل والمغتصب والذي يعمل على تمزيق المنطقة، وتغيير خارطتها معلناً ذلك جهاراً وبصراحة ووضوح لا تقبل الشك أو الجدل، ومع هذا نجد من يجاهد في استماتة للدفاع عن هذا العدو مغلباً هواه وانجذابه الفكري على مصلحة الوطن والأمة.. في جهالة عمياء حمقاء شديدة الضلالة.
إذا فليتنازل كل منا قليلاً... لننزل من أبراج جهلنا إلى ساحة المعرفة الفكرية، والثقافية، والسياسية.. المعرفة التي لا لبس فيها، ولا غموض، ولا كراهية، ولا دغالة وكبر.. وإلا فإننا سنكبر وتكبر معنا أمراضنا.. سوف يتقدم بنا عمر الجهالة أكثر وسوف تكثر وتكبر معه أوجاعنا المُتِلفَة المهلكة.. والتي يلفها الخرف فتصبح حالنا المعرفية مثل حال تلك العجوز التي كثرت عليها الأسقام والأدواء فظنت أن الحل عند طبيب الحي، فذهبت إليه وقالت: يا طبيب الزمان أنقذني بطبك فقال: كم عمرك يا خالة ومم تعانين.؟!
قالت: عمري تسعون وأعاني من غبش في الرؤية وثقل في السمع.
قال: ذلك من التسعين.
قالت: إني أعاني من أوجاع في الظهر والركب والمفاصل.
قال: كذلك من التسعين.
قالت: أشعر بالنعاس لكني لا أنام، وأريد أن أتذكر فلا أستطيع.. وأهم بفعل الشيء فلا أقدر..!
قال: هذا من فعل التسعين.
قالت: أهذا كل ما عندك؟!
قال: نعم
قالت: أنت حمار ولست طبيباً..!
قال: وهذه من التسعين أيضاً يا خالة..!
وأقول: يبدو أن كل ما أصابنا ويصيبنا من تخبطات علمية، ومعرفية، وثقافية هو بسبب وصولنا، وحصولنا على التسعين درجة من أمراض خالتنا ((الجهالة))! والله المستعان.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"