منيفة الشمّري !

فهد عافت
فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط عرفت عن أدق أسراري حقيقة و لا ألطف ، قالت لي أمّي : لا تظن أني لم أتزوّج بعد والدك لأجلكم ، أنا و والدك " أخذنا " بعض عن حب ! ، أضافت : و منذ وفاته إلى اليوم لم أتصدّق بقليلٍ أو كثير في أيام الفقر و الرِّضا إلّا و أشركته معي في الصدقة و طلبتُ من الله أن يقبلها عني و عنه ! ،
و أضافت : فلا تتصدّق عني فيما بعد بشيء و عنه بشيء آخر ، اجمعنا يا ولدي معاً ! ،
يا لهذه العاشقة ما أطيبها ، و ما أرقّها ، و ما أعذب حديثها و سيرتها ، ترك لها المحبوب ثلاثة أطفالٍ يتامى أكبرهم لم يتجاوز السادسة ، فصبرَت و تحمّلَت و اشتغلت ، نعم اشتغلت و بيدها عملت ، كانت تخيط ملابس بنات و أولاد " الجماعة " ! ، و تكسب عيشها ، و كنت في البيت ألْظَمُ لها الخيط في الإبرة ، و خارج البيت أخجل من عملها في الخياطة ، فلمّا كبرتُ ، صرتُ شاعراً ، و هي من علّمني الوزن و القافية فقد كانت شاعرة و كان صوتها عذباً و لا يزال ، قلت ُ معتذراً شاكراً :

" ساري في ليلٍ سرمديٍّ ،
واربط الجرح القديم بنخلةٍ ، و ان حلّوا رْبَاطَهْ ..
إن حلّوا رْبَاطَهْ :

بيتٍ خَشَبْ و صْيَامْ

أُمّ و ثلاث أيتامْ

و مَكِينَة خْيَاطَهْ :

يا اللي انتثرتي في البكا منديلْ ..
و في دفتري طيرين و قلاده

لا تحزني لو ينكسر قنديلْ ..
أو تخذل الرّكْعَات سجّادة !

إن قلت " يُمَّه " : طاح وجه الليل ..
تحت اصبعي ، و ارتجّت وسَادَة ! "

هل أحكي لكم الآن عن أكرم و ألذّ وجبة طعام أكلتها في حياتي ؟! ، أنا الذي أنعم الله عليّ بفضله فتناولت الطعام في أرقى مطاعم باريس و لندن و نيويورك ، لا أتذكر أنني ذقت ما هو أطعم و لا ألذّ و لا أكرم من أكلة فُتات خبزٍ يابسٍ كان مُعدّاً أصلاً للغنم و مكدّساً في خيشة كبيرة ، غير أن الجوع ذبح أطفالاً ثلاثة ، يتامى صغار ، ليلتها قامت والدتهم بأخذ صغيرها من يده و أخرجا معاً الخبز اليابس و عادا به إلى البيت و في صحن نصفه ماء تم وضع الخبز اليابس فصار طرياً ، كانت تلك أمي و كنت أنا صغيرها و كان ذلك العشاء الأطيب في حياتي ، و من قصيدة الليل :
" يا ليلةٍ ليلها زرنيخ منفى يابسٍ بُورْ ..

.. لي ليلةٍ كان حضن امّ و ثلاث ايتام و صغارْ

ليل آتشمشم به اللي مَرّ نكهة خبز تنّور ..

و ليل آتجشّم به اهوالي لحالي و اصبح كثارْ ! " ،

و في مناسباتٍ طيبة أخرى بإذن الله سأعود لأحكي لكم عن حبيبتي منيفة الشمري : أمّي حفظها الله و حفظ لكم من تحبون ، فلا زال في الذاكرة ما يطيب حكيه :

" معي في الذاكرة بنتٍ توصّيني بمشط و شال ..

و صوت امّي يوصّي : لا تجي رَبعَك بخاطر عمْس !

و انا امّك لا تنام بـ ليلةٍ و انتَ خَلِيّ البالْ ..

و خل ادنى طموحك لا نظرت لنجمتين : اللمسْ !

و انا امّك لا صعدت اصعد مثل دعوة فقير الحالْ ..

و لا منّك نزلت انزل مثل غيثٍ بيحيي غرْسْ " !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.