.
.
.
.

منيفة الشمّري !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط عرفت عن أدق أسراري حقيقة و لا ألطف ، قالت لي أمّي : لا تظن أني لم أتزوّج بعد والدك لأجلكم ، أنا و والدك " أخذنا " بعض عن حب ! ، أضافت : و منذ وفاته إلى اليوم لم أتصدّق بقليلٍ أو كثير في أيام الفقر و الرِّضا إلّا و أشركته معي في الصدقة و طلبتُ من الله أن يقبلها عني و عنه ! ،
و أضافت : فلا تتصدّق عني فيما بعد بشيء و عنه بشيء آخر ، اجمعنا يا ولدي معاً ! ،
يا لهذه العاشقة ما أطيبها ، و ما أرقّها ، و ما أعذب حديثها و سيرتها ، ترك لها المحبوب ثلاثة أطفالٍ يتامى أكبرهم لم يتجاوز السادسة ، فصبرَت و تحمّلَت و اشتغلت ، نعم اشتغلت و بيدها عملت ، كانت تخيط ملابس بنات و أولاد " الجماعة " ! ، و تكسب عيشها ، و كنت في البيت ألْظَمُ لها الخيط في الإبرة ، و خارج البيت أخجل من عملها في الخياطة ، فلمّا كبرتُ ، صرتُ شاعراً ، و هي من علّمني الوزن و القافية فقد كانت شاعرة و كان صوتها عذباً و لا يزال ، قلت ُ معتذراً شاكراً :

" ساري في ليلٍ سرمديٍّ ،
واربط الجرح القديم بنخلةٍ ، و ان حلّوا رْبَاطَهْ ..
إن حلّوا رْبَاطَهْ :

بيتٍ خَشَبْ و صْيَامْ

أُمّ و ثلاث أيتامْ

و مَكِينَة خْيَاطَهْ :

يا اللي انتثرتي في البكا منديلْ ..
و في دفتري طيرين و قلاده

لا تحزني لو ينكسر قنديلْ ..
أو تخذل الرّكْعَات سجّادة !

إن قلت " يُمَّه " : طاح وجه الليل ..
تحت اصبعي ، و ارتجّت وسَادَة ! "

هل أحكي لكم الآن عن أكرم و ألذّ وجبة طعام أكلتها في حياتي ؟! ، أنا الذي أنعم الله عليّ بفضله فتناولت الطعام في أرقى مطاعم باريس و لندن و نيويورك ، لا أتذكر أنني ذقت ما هو أطعم و لا ألذّ و لا أكرم من أكلة فُتات خبزٍ يابسٍ كان مُعدّاً أصلاً للغنم و مكدّساً في خيشة كبيرة ، غير أن الجوع ذبح أطفالاً ثلاثة ، يتامى صغار ، ليلتها قامت والدتهم بأخذ صغيرها من يده و أخرجا معاً الخبز اليابس و عادا به إلى البيت و في صحن نصفه ماء تم وضع الخبز اليابس فصار طرياً ، كانت تلك أمي و كنت أنا صغيرها و كان ذلك العشاء الأطيب في حياتي ، و من قصيدة الليل :
" يا ليلةٍ ليلها زرنيخ منفى يابسٍ بُورْ ..

.. لي ليلةٍ كان حضن امّ و ثلاث ايتام و صغارْ

ليل آتشمشم به اللي مَرّ نكهة خبز تنّور ..

و ليل آتجشّم به اهوالي لحالي و اصبح كثارْ ! " ،

و في مناسباتٍ طيبة أخرى بإذن الله سأعود لأحكي لكم عن حبيبتي منيفة الشمري : أمّي حفظها الله و حفظ لكم من تحبون ، فلا زال في الذاكرة ما يطيب حكيه :

" معي في الذاكرة بنتٍ توصّيني بمشط و شال ..

و صوت امّي يوصّي : لا تجي رَبعَك بخاطر عمْس !

و انا امّك لا تنام بـ ليلةٍ و انتَ خَلِيّ البالْ ..

و خل ادنى طموحك لا نظرت لنجمتين : اللمسْ !

و انا امّك لا صعدت اصعد مثل دعوة فقير الحالْ ..

و لا منّك نزلت انزل مثل غيثٍ بيحيي غرْسْ " !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.