مكان ما فيه سعوديون

عبير الفوزان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

هذه العبارة التي تسبق حديث الكثير من السعوديين، عندما يريد أن يقنعك بجمال وجهة سياحية «ما»، تذكرتها عندما علمت أن إحدى صديقاتنا قد عادت من دبي في اليوم التالي من سفرها إليها، وكانت شكواها تسبقها عن سوء الوضع هناك من حيث الازدحام، وكثرة الشعب السعودي الذي انتقل بحفظ الله ورعايته إلى هناك في موسم إجازته.
بقدر ما فاجأتنا وأضحكتنا عودتها السريعة، إلاّ أننا أشفقنا عليها، ولاسيما مع الخسائر المادية التي تكبدتها من تذاكر السفر، والدفع المسبق للسكن، إضافة إلى الترتيبات السابقة التي أخذت الكثير من وقتها. مع حال صديقتنا بدأنا في البحث عن أسباب هروبنا من أبناء جلدتنا، هل لأننا نريد أجواء مغايرة، أم لأن عدداً من أبناء جلدتك عندما يرونك في محيط لم يتعودوا عليه يبدأون في ملاحقتك، أو البحلقة فيك، وكأنك كائن فضائي ترتدي ملابس فضية.
من محاسن السياحة الداخلية أنك لن تكون كائناً فضائياً، فأنت تسيح في أرضك وبين جمهورك، ولاسيما في موسم الإجازات المكتظة بالسياح، لكن من مساوئها أن المستثمر لا يزال يفكر بـ«منطق القطارة»، وأظن هذا المنطق لا يتناسب مطلقاً مع مقوماتنا السياحية، لذا نجد أن معدل النمو في هذا القطاع أقل بكثير مما يأمل محبو السفر.
في أواخر الثمانينات الميلادية، قبل أن تُعرف دبي كوجهة سياحية، لو ذكرت لكم الفنادق التي سكنتها مع أسرتي، أو المطاعم التي كنا نرتادها، لأحتاج القراء في البحث عنها إلى دائرة الصكوك والأراضي في دبي. إن غالبية المطاعم والفنادق، على رغم أنها ذات أربعة نجوم، اختفت من الخريطة لتحل مكانها منشآت أكثر حداثة لتتماشى مع السياحية، لقد خلقت دبي مقومات من الردم والهدم والبناء، بينما نحن بمقوماتنا السياحية الطبيعية اللامتناهية مازلنا نحتاج إلى بناء وضخ حولها، لندفع في مقابل ما سنتلقاه من خدمات ورفاهية. لكن «منطق القطارة»، وتقديم قدم وتأخير أخرى من المستثمر الذي ينتظر دعماً، ليبدأ مشروعه، جعل الشعب يتدافع إلى مدن على رغم جمالها، إلاّ أنها بمساحتها أصبحت تضيق بهم. لذا أنصح المستثمر الأجنبي أن يجرب خوض التجربة، ويترك من ينتظرون دعماً خلف ظهره.
السياحة اليوم أصبحت جزءاً من الثقافة والواقع المعاش، فنادراً ما تجد من يواصل عامه من دون وقت مستقطع ليمارس السياحة في أرض الله الواسعة، أعترف أنني حاولت أن أنتهج أسلوب السياحة الداخلية، ليس تشجيعاً مني، ولكن لاكتشاف أماكن لم تطرقها العائلات السعودية، بل كانت قسراً على المغامرين، والمصورين وبعض الجماعات السياحية الأجنبية ذات العدد المحدود، ولاسيما بعد انتقال غالبية الشعب السعودي إلى دبي الحبيبة، ففكرت في جازان ونجران.
بحثت عن مكان ملائم للسكن فيهما، لكن الأسعار كانت أقرب إلى الخيال، ومع ذلك الغرف غير متوافرة، فهي محجوزة طوال أيام السنة! وأنا أفكر في العلا، تلقيت حولها أكثر من اتصال من صديقات من جنسيات مختلفة، يسألن هل يوجد في السعودية مثل تلك الأمكنة، يقصدن مدائن صالح، الخريبة، التضاريس العجائبية! لم أزد عليهن إلاّ بنعم مقتضبة، وكأني خائفة من أن يطلبن مني ترتيب رحلة لهن، فكم هي السياحة عسيرة هنا، على رغم الجمال الفادح الذي يحوم حولها، تمنيت أن أقول لهن على الرحب والسعة، وأزيدهن من الشعر بيتاً وما فيها سياح سعوديون، لكن ما باليد حيلة، ما زالت القطارة تقوم بعملها.. تك.. تك ..تك، ولا يزال الشعب السعودي يتدافع بقوة إلى دبي.

*نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.