.
.
.
.

التهميش.. الفاتورة التي لا تدفعها

نجوى هاشم

نشر في: آخر تحديث:

كلنا نغضب وكلنا نزعل.. ولكن الفرق شاسع بين من يغضب وهو يعرف لماذا غضب وبين من يغضب عند كل موقف يتعرض له.

وأيضاً بين من يغضب وتستطيع أن تتحاور معه وتتحدث وتهدئ من غضبه.. وبين من يتحول إلى إعصار من الصعب احتواؤه أو السيطرة عليه لأنه يفقد عقله.. ويرفض أي محاولة للنقاش أو الحوار معه بل إنه قد يعتبرك حتى وإن كنت خارج سياق غضبه أو أنك غير مسؤول عنه جزءاً أساسياً منه وقد يصب على رأسك كل مالديه من تفريغ لهذا الغضب!! كونفوشيوس.. يقول الإنسان الغاضب يتحول دمه إلى سمّ ".. ويقول روبرت أنجرسول "الغضب ريح تهب فتطفئ سراج العقل..!

من يغضب بهدوء تستطيع أن تستطلع سبب غضبه خاصة إن تحدث معك وفضفض وتصالح مع نفسه وحلل سبب غضبه.. وأحياناً انفجر بهدوء دون أضرار على الآخرين أو على صحته.. كسلوك طبيعي وتراتبي للحياة اليومية التي نعيشها ونصطدم بها وبمخرجاتها الأليم منها أكثر من المفرح ولكن على العاقل استيعاب ذلك والتعامل معه بهدوء وعدم التوقف أمامه.. والقفز على ممرات القلق أو الخوف بشجاعة ووعي.. وتفهم أنه لا يمكنك صفق أبواب التكدير والبقاء خارجها لأنها لن تُفتح مرة أخرى.. من قبل آخرين بل ينبغي عليك الدخول أو محاولة الدخول لفتح هذاالعالم المغلق والتعامل معه.. بعيداً عن الغضب الذي يفقدك كل قدرة على التفكير الصحيح..!

على الجانب الآخر من يغضبون بجنون ويفقدون عقولهم هؤلاء من الصعب التفاهم معهم.. بل ويفضل الابتعاد عنهم لأنهم يتحولون إلى كتلة من النار المشتعلة والتي تحرق من يقترب منها.. ترتجف أصواتهم وتهتز أجسادهم.. وينطلقون مطاردين كل من يقترب منهم للتهدئة.. ولذلك يرتكب الغاضب في غفلة من العقل أفعالا جنونية مروعة قد تصل لحد قتل آخر في لحظة فاصلة في الحياة قد لا تتجاوز الدقيقة وقد يدفع ثمنها العمر كله.. بعد أن سرقت لحظة الغضب تفكيره وحذفته على رصيف لم يختاره بل سعى إليه دون تفكير..!

الغضب مشروع ولكن ماهي الأشياء التي تستحق غضبك وتوترك؟ أعتقد لو عرفتها ستعرف كيفية التعامل معها.. لأن الغضب في جوهره إحساس سلبي يصعد بك إلى قمة الوجع وانفلات الأعصاب.. ويهبط على خسائر لم تكن تتوقعها.. ولكن هل من الممكن أن تحول غضبك إلى طاقة إيجابية تستفيد منها وتتوقف عن تكرارها..؟

يجد خبراء التنمية ذلك ممكناً من خلال أن الغضب يساعد على فهم الإنسان لنفسه أكثر ومعرفة خفايا اللاوعي لديه حيث ان طاقة الغضب ستعرّفه الأمور التي تهمه وأيضاً ما الذي يقدر عليه وما الذي يرغب في حمايته.. وستتضح له الأمور التي تغضبه والأشخاص الذين يضغطون على زناد انفجاره وسوف يتجنبهم مستقبلا ً.. لأنه دائماً هناك أمور لا نعرفها حقاً إلا حين نغضب وينطلق لساننا ليعبر عن اللاوعي..!!

ثانياً: حول الغضب لأداة ترفع طاقتك قدماً وتتخلص من الاكتئاب.. لأنه يمكن للغضب أن يكون أداة سحرية لجعلك في مزاج أفضل لاحقاً.. لأنه تنفيس وتفريغ لما ضايقك.. ولكن الأهم أنه يرفع من طاقة جسمك.. ويساعدك في تخطي الاكتئاب..!!

ثالثاً: تجاهل ما يردده المجتمع عن الغضب وسلبية الأمر.. حيث إنه من المهم تجاهل الفكرة النمطية عن كون الغضب أمراً سلبياً لأن هذا يجعلك تعلق في مشاعر ضعيفة تسحب طاقتك لشعورك بالذنب حين تغضب.. علينا بالطبع ألا نسمح للغضب دائماً بتجاوز الحد المعقول.. لكن لا بد من إدراك القيم الإيجابية للغضب حين ننظر له من الزاوية الصحيحة..!

رابعاً: لديك السيطرة الكاملة لاختيار كيفية إظهار غضبك.. تذكر دائماً أنك صاحب السيطرة في طريقة إظهارك لغضبك فلا ترتكب جريمة أنك كنت تحت تأثير الغضب.. الأمر في الواقع يؤخذ بالعكس وهو أن الغضب شعور طبيعي يقع تحت تأثيرك أنت وتذكر أن طريقتك في إظهاره تكشف شخصيتك..!

خامساً: أنت من يقرر إلى متى ستبقى غاضباً.. وفي النهاية رغم كل الإيجابيات التي يمكنك استخلاصها من غضبك تذكر أن الاستمرار في حالة الغضب لفترة طويلة يسرق منك سعادتك ويصبح عادة.. ولذلك عليك أن تحسن قلب غضبك لصالحك..!

المشكلة هي تقاطع أفكار وطروحات خبراء التنمية مع واقع من يغضب أو من اختار الغضب ليعيش من خلاله وليس ليعيشه كحالة طارئة وموقتة.. فهو لا ولن يستوعب ما سيقال له وإن قرأه وهو في حالته الطبيعية سيعبره عندما يغضب.. كفانا الله وإياكم شر الغضب وكوارثه.. تذكرت أمي وما تعلمته ممن حولي وساعد على هدوئي وتماسكي وبرودي وأنا في قمة غضبي وزلازل الدنيا تسقط على رأسي.. تعودت وتعلمت ألا أظهر غضبي لأحد فهو يخصني حتى أقرب الناس وإن غضبت أحاول النوم والتواري والتزام الصمت وغلق أبوابي عليّ.. حتى أجد الهدوء.. أتذكر في صغري أنني صرخت مرة من فائض غضب وخبطت باب إحدى الغرف وبعدها تعلمت الدرس أغضب فأعيش غضبي مع نفسي.. لأخبر الآخر حتى وإن كان أقرب إليّ من نفسي لماذا غضبت منه؟ وماذا ارتكب..؟ فقط أصمت ومن ثم أبني مستقبلا ً سلوكي أو تعاملي المختلف.. لا أحد في الكون يستحق أن نغضب من أجله أو نمنحه قيمة.. وحتى مواقف الحياة لا يحلها الغضب.. البرود وتهميش الأشياء هو الحل الأمثل.. وحكمة جدتي وعمتي الله يرحمهما.. عند الغضب تعوّذ من الشيطان الرجيم.. واذكر الله رب العالمين.. "لا إله إلا الله" تنزل عليك البرود.. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم تعيد لك توازنك..!


*نقلاً عن صحيفة الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.