.
.
.
.

البلّورة السحريّة و طاقيّة الإخفاء !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

كلنا سمع عنها ، تخيّلها ، و يمكنه تذكّرها الآن : البلّورة السحرية ، كُرَة الزجاج الشفيف ، العين التي يمكن لنا حملها في راحة اليد ، أو وضعها على طاولة صغيرة و تدويرها بإصبعين لرؤية الناس و الكائنات ، فكرة صبيانية كلّما طاشت كلّما لذّت أكثر ، ربما لو تحققت لما فكّر الإنسان باختراع فن الرواية ، لكنها لم تتحقق فنبتت الحكايات ، ثم طارت الحكايات من الشفاه إلى الكتب ، طيّرتها رياح المحابر و سيّرتها شهوة الإقامة في غيم الورق ، و صارت فنّاً قائماً بذاته غائماً لذاته ، كل سطرٍ زاوية و كل صفحةٍ استدارة ، و كل كتاب صباحٌ جديدٌ و ظَهيرةٌ أخرى و غروبٌ مختلفٌ و ليلٌ لم يسبق له الحلول ، عسكر و نساء نحيلات الخصور و عجائز بوشمٍ و شيوخ يتأوّهون فتهرب الصورة الأخيرة من الذاكرة ، تتلاشى مثل دخان ، حكايات حب و دموع و رحيل و سهر ، و ذكريات حُفرت على جذع شجرة فشربتها الجذوع في غياب المطر و بقيت حيّة ، أو نُحِتَت في قلب حجرٍ فثبت للحجر أن لديه قلب فعلاً ! ، ضامراتٌ و مُضمراتٌ ، تنهدٌ و ناهداتٌ ، أسِرَّةٌ و أسرار ، ظروفٌ و مظاريف ، يباسٌ و بؤسٌ و بأسٌ ، كائناتٌ و مكنوناتٌ ، كامناتٌ و ممكِناتٌ ، ..
الرواية حياكة الحكاية ، صناديق قديمةٌ مليئةٌ بالتوابل و الرسائل ، بالعشاق و الرعاة و فرسان الحرب و عجوزٌ تُفلّي حفيدها من القمل ! ، و كل ما يخطر من حال و ما لا يخطر في بال ، ..
ما أطيب عالم الرواية و ما أمتعه ، حتى لو أن الإنسان نجح في يومٍ قريبٍ أو بعيدٍ من اختراع البلّورة السحريّة ذاتها التي كانت في أحلام طفولته ، فلا أظنه قادراً على الاستغناء عن الرواية ، البديل صار أكثر أهمية من الأصل و أقرب إلى روح الإنسان ، لن ينجح العِلْم في طرد الفن ما لم يأتِ قبله ! ، عبارةٌ لا يؤكدها تكرارها بقدر ما يكررها تأكيدها : لن ينجح العِلْم في طرد الفن ما لم يأتِ قبله ! ، هذا إن نجح ! ، ها هي السينما مثلاً أتت لتقترب من فكرة البلّورة السحرية أكثر لكنها علمت بفشلها سريعاً في الرهان على طرد روايات الكتب ، صارت تتمحّك فيها ، و صار الفيلم السينمائي لا يطمع بأكثر من مقارنته برواية مكتوبة ! ، هذا عن الرواية فماذا عن الشعر ؟ ، أظنه بديل سجّادة السفر السحريّة ، البديل الذي صار أكثر أصالة من الأصل ، كل مطارات الدنيا لا تساوي قافية جميلة و كل حقائب السفر لا تحمل ما تحمله الأوزان من ثمين ! ، و ماذا عن الموسيقى ؟ ، - إنها طاقية الإخفاء التي نجحت في إخفاء طاقية الإخفاء ذاتها

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.