مخاوف الإنسان!
يدرك الفرد يقيناً أنه يحمل جوهراً واحداً لكل المحمولات، ويحصر اهتمامه في تحقيق أهداف تعدّ في غايتها مدهشة وفي مجملها العام والخاص اقتصادية، وما تقدمه الدولة لهذا الفرد بذل وعطاء وغاية في ذاتها وتيسير العيش المشترك، لترفعه من خصوصية الأنانية والانزواء إلى كونية تحقق له النظام والانسجام، وتشرّع القوانين وتعمل على تقليص التعارض في المجتمع الواحد، وتعمل على التنظيم الداخلي والخارجي وتحث على التمسك الأخلاقي لأنه غاية العمل السياسي.
لقد صنع العصر الحديث مخاوف الإنسان وهذا ما يقض مضجع العقل وأفقده السكينة والاطمئنان بداعي الحقائق المختلفة كما يراها الآخر، وهذا التشارك قد غيّب بعضاً من الاعتدال في تقدير الأشخاص والأعمال، والنفس البشرية عادة ماتهب للقيام بمهامها إذا ماشعرت بانحسار وجودها محاولة محو مخاوفها واتزان هويتها وثقافتها.
وعلى ضوء ماحدث للشعوب في نكباتها وأزماتها ومأساتها وقيام حربين عالميتين كبيرتين إضافة إلى حروب كثيرة في العالم، وأحداث مختلفة ومتلاحقة هنا وهناك وتيارات عنف وإرهاب لم تنج منها دول العالم الغنية والفقيرة، تباينت ردة الفعل وعجز الإنسان المعاصر عن فهم التوجهات المستقبلية، فكان التفاعل الاجتماعي يشير إلى مزيد من التفاعل والتعبير المؤثر فضلاً عن الطبقة النخبوية التي عبرت عن وجودها بموضوعية في خضم صراع المتناقضات والرؤى المختلفة، وإن أسباباً مباشرة جعلت عمل الفرد منفرداً بين السلبية والإيجابية رغم التشابه وتوارث المشكلات، فإما تكون عزلة أو استعلاء أو قيادة لشيء خاص يحظى بالنجاح ويعد مجدياً في خدمة الدولة ويحقق المثالية.
ومن منطلق الحقوق التي تربط المواطن بالدولة هي المواطنة لأنها قد ضمنت حقوقه وحريته وحافظت على ماله وممتلكاته وتولت حمايته، ماجعل، ارتباطه بالتطور الاقتصادي وغاياته ووظائفه ووسائله ارتباط جوهري حاضر في كل أقسام الحياة اليومية، لأن السياسة العامة للخطط الاقتصادية اعتمدت على تنمية الاقتصاد الوطني والعمل الدؤوب على تيسير الأسباب التنموية ووضعها في قنوات الإنفاق الإنمائي.
لقد تغيرت مفاهيم الذات والوعي والدولة من جديد في المجتمع المعاصر والنسيج الداخلي المحتدم، فإن السمة الغالبة في إنسان اليوم الخوف من المستقبل وتضاعف التعابير المزدوجة التي تلقي به خارج زمانه وتتمركز النقاط الملتبسة والمؤثرة في انتباهه وتخدر أحلامه وطموحه.
إن المخاوف التي تساور المجتمعات المعاصرة من السباق النووي والعنف الذي ينجم عن هذا السباق والمناوشات حوله فإن الحروب أصبحت أكثر دماراً نتيجة التطور الشديد في الأسلحة، ففي هذا الجانب بدأت الهند معركتها التكنولوجية بإجراء اختبار نووي في صحراء راجستان، لتعلن أنها اكتسبت المكانة النووية العسكرية تحت شعار سلمي، فيما قامت الباكستان بجهد علمي تكنولوجي شاق لاكتساب المكانة النووية العسكرية أيضاً حسب مصادر متفرقة نقلت للتاريخ عدد الحروب بين الهند وباكستان والخوف من حرب ثالثة إلا أن العالم يهيب بهما بالاستقرار النووي أسوة بالدولتين أميركا والاتحاد السوفييتي طوال مدة الحرب الباردة.
ليس من سبيل إلا أن تكون علاقة العقل بالعالم لا تتجاوز المعرفة لكي يقل الفعل والتأثير، فالفهم الحقيقي هو تجاهل تناقضات الواقع بينما الذات غير عاجزة عن تهدئة مخاوفها وقلقها وتستطيع السيطرة على التطور المذهل، وقال روسو: وحدها الإرادة العامة تستطيع توجيه قوى الدولة وفق الغاية التي أنشئت من أجلها وهي الخير المشترك.
*نقلاً عن جريدة الرياض