موبايلكراسي
في ظني أن اللغوي والاقتصادي الفرنسي جان كلاود دي غورني (1712 - 1959 الذي أدخل مفردة (بيروقراطية) Bureaucracy وقبِلتها المعاجم الفرنسية في العام 1818 كتفسير لمركزية "حكم المكاتب" أو طغيان الإدارة الورقية (الروتين) لو كان حيّا الآن لتأسّف وحاول مع المجامع اللغوية أن ينزعها أو ينزع اسمه من التسمية تلك، والتي لم تكن لتترك لأحد الخيار داخل فرنسا إلا أن ترتبط قضيته بمكان أو آخر في العاصمة باريس.
ولقد استمتعتُ بافتتاحية "الرياض" بقلم الزميل أيمن الحماد ليوم الجمعة الماضي، التي كان جوهرها ميل الوطني إلى العمل من المكاتب، بدلا من العمل اليدوي في ميدان المهنة. فلقد شاهدنا بعض المهندسين من السعوديين يتأفف إذا عَلم أن مهمة ما تتطلب منه النزول في الأنفاق وأعمال ما تحت الأرض، أو الصعود إلى أعلى رافعة، أو الوقوف على صبّ خرسانة. يريد أن يأخذ تلك المهمة غيره من الوافدين. نعم، هذا صحيح.
أقول علينا أن نصبر على ذلك، والخوف الآن من الخيارات المعروضة على مهندسينا بأن "يعمل من المنزل" لأن الجملة موجودة في قواميس وتعريفات الإدارة الحديثة Working from home وكذلك في الإعلانات. خصوصا مع توافر القدرات الحاسوبية المعاصرة.
وقد تتفقون معي أن مفردة (بيوروكراسي) في زمننا هذا ستنقلب (موبايلكراسي) حيث وجدتُ مجموعة غير قليلة من الناس يُدير أموره الفنية والمالية بواسطة هاتفه الجوال. فمسألة (بيورو) التي تعني المكتب لم تعد تنطبق على الحال.
سوف تتضح معالم تلك الحال أكثر في الأعوام المقبلة. هذا لو تركنا جانبا ما تعلمناه في الماضي وفكّرنا فيما يحمله المستقبل.
لب الموضوع أننا مهما أوتينا من إمكانيات مكتبية أو حاسوبية أو فنية فإننا نحتاج قبلها وأثناءها وبعدها إلى الإخلاص والشعور بحق الوطن، وكذا البعد عن السوء وترك الشبهات وتحقيق عدالة منظورة.
*نقلاً عن صحيفة الرياض