.
.
.
.

يخربون بيوتهم بأيديهم!!

طرفة عبدالرحمن

نشر في: آخر تحديث:

«الوعي بالحقوق» جملة تم استغلالها كثيرا في الأوطان العربية، ليس لنشر ثقافة الحقوق فقط، إنما للتلاعب بالعقول، وتضليل الجماهير العربية.

فهذه الجماهير متحفزة لمجتمع أفلاطوني، لا يمكن بناؤه إلا في نظريات على ورق. أنا لا أقول إننا مجتمعات متحضرة جدا، لا يشوبها الخلل الحقوقي والاقتصادي، لكن الاعتقاد بأن هذا الخلل يمكن علاجه بالنقد والسخط الدائم بل وفي مناسبات كثيرة بالسب والشتم، فهذا يعتبر تراجعا في الوعي وانحدارا في القيم الأخلاقية، والأقسى من ذلك؛ أنه يخلق شعورا مستداما بالظلم والحرمان والتعاسة؛ في واقع ليس بهذا القدر من السوء!

مشكلة بعض العقول، أنها ترزح تحت تصور ذهني يخيل لها بأنها تعاني من الاضطهاد والحرمان وانتهاك الحقوق. وحتى نعرف دور العقل والمنطق في فهم الواقع وكيف ينعكس ذلك على طريقة التفكير والتحليل، انظر إلى شعوب أفقر الدول في العالم، والتي يعمل كثير من سكانها خارج أوطانهم مددا طويلة جدا أحيانا حتى تفنى أعمارهم، لقد سألت كثيرا منهم عن الظروف الاقتصادية التي دفعته للعمل خارج بلده، معظمهم كان يذكر أن بلاده لا تملك موارد اقتصادية كافية لتغطية احتياجات الأعداد الكبيرة من السكان، وعند سؤالي لهم عن علاقة الفساد بسوء إدارة موارد الدولة، يتفق معظمهم بأن هذا عامل رغم احتماليته إلا أنه ليس السبب الرئيس في سوء أوضاعهم المعيشية، ربما كانوا منطقيين في النظر لواقعهم، أو أنهم يحملون ولاءات وتقديرا معينا تجاه حكامهم، حتى وهم خارج أوطانهم؛ ربما ذلك لا أعلم. المهم أن الملاحظ عليهم هو أنهم لا يقبعون تحت شعور دائم بالسخط رغم ظروفهم القاسية.

هذه ليست مواعظ تحث على القناعة والرضاء، إنما إدراكهم وتحليلهم لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مدعاة للتأمل. مشكلتنا الحالية ليس في قضية الوعي بالحقوق في عقول العامة، إنما في لغة الإعلام أيضا والتي تكرس وتعيد إنتاج السلبيات بصورة أقسى وأقبح بكثير من واقعها، وهذا ليس لأجل خدمة الحقيقة والموضوعية التي تدعيها، إنما التنافس المقيت في الحظوة بالشهرة والجماهيرية.

فكما أن هناك فئة، أو بمعنى أدق جماعات وتنظيمات تستخدم الدين كواجهة؛ لكسب الجماهيرية، وتخلط الأوراق السياسية بالدينية؛ لتحقيق مكاسب شخصية، على حساب الدين، هناك إعلام يتكسب المال أو الشهرة أو مبتغيات أخرى على حساب وعي الناس ومصالحهم.

نحن الآن نمر بمرحلة مغايرة من الفكر الاجتماعي تجاه قضايا الحقوق، والحريات، والرفاه الاجتماعي، والمشاكل الاقتصادية، وهي ظروف كانت ملائمة لكثير من تفكيك الانتماء والتوحد تحت إطار الهوية الوطنية، فأصبح الحزب، والمذهب، والمصلحة الشخصية للأفراد، والجماعات هي من يصنف الناس ويميزهم.

أما آن الأوان بعد كل هذه الصراعات العربية وأعداد القتلى والفوضى العارمة أن تدرك شعوب الأمة العربية أنهم أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم؟! ألم يدركوا بعد، أن ما تم بناؤه في سنوات طويلة يتم تدميره في أيام معدودات! والحسرة على ذلك لم تقف عند هذا الحد، فالخسائر ما زالت تتضاعف والشباب العربي مستمر في تجنيد نفسه في أقذر التنظيمات الإرهابية بكل قناعة؛ بل واعتزاز؛ ظنا منه أنها تقوده للجنة والحور العين!! أما العاقل منهم فلا يتوانى في الزج بنفسه في تنظيمات سياسية أو مظاهرات عقيمة تعزف على وتر الإصلاح والديموقراطية المزعومة.

*نقلاً عن صحيفة اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.