.
.
.
.

الغموض الفني

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

العازف و وتَره ، و الرسّام و فرشاته ، و الشاعر و مفردته ،
هناك دائماً لحظة بين الفنان و دخوله العمل الفني ، لحظة تطول و تقصر ، تحضر و لا يحضر بعدها شيء ، لكنها تعاود الحضور كل مرة ، إذ لا بد منها للدخول ، لا أدري ما أسمّيها ، هي ليست لحظة البدء في العمل ، هي ما قبل البدء بلحظة ! ، و هي ليست التهيؤ للعمل لكنها ما بعد التهيؤ بلحظة ! ، هي أول لمسة للريشة على الوتر بعد دوزنته بأقل من رمشة عين و إلى أن يُمسك الموسيقي بنغمة اللحن الجديد ، و هي خبط الفرشاة على اللون و الورق قبل معرفة الموضوع ، و هي خربشة الشاعر يرسم دائرة و يخط سهما و يكتب كلمة أو أكثر ينتظر إيقاعاً ما أو تلاقح بين كلمتين يقوده لبداية درب ! ،
في هذه اللحظات ، يخطئ من يظن أن الفنان يهلوس أو يعبث أو يتخبط أعمى ، رغم أنه ظاهرياً ، يهلوس و يعبث و يتخبط كأعمى فعلاً ، باطن الأمر أن الفنان يستجمع مواضيع الدنيا كلها ، و يحاول غواية أي منها لاقتناصه ، كل المواضيع و القضايا و الدروب و الأحاسيس و المعاني و النغمات متواجدة ، ليس القديم منها فحسب بل و كل ما لم يوجد بعد ، لكن أيها يرفع رأسه ليُقتنص ، هذه مسألة لا يعرف الفنان عنها شيئاً ، قبل حدوثها ، فجأة يجد الموسيقي نغمته التي تقوده إلى ما بعدها ، و يجد الرسام خطاً يقوده لشكل ، و من كلمتين أو أقل أو أكثر يتوهم الشاعر طرف خيطٍ و يتقين من شهوة المَسْكِ به ، في الفن : الشيء هو شهيّته ! ،
و الحقيقة أن الأعمال العبقرية التي أثبتت على مر السنين قدرتها و أحقيتها في البقاء ، كانت دائماً أعمالاً محصنة بغوامضها ! ، و الغريب أن الكشف المستمر و المتلاحق و المتراكم للعمل الفني الحقيقي لا يزيده إلا تقديراً و رِفعة شأنٍ ، مع أن المنطق الذي سمح للغموض في العمل من حماية العمل يفقد منطقه إن هو لم يقلل من شأن العمل الذي تتابعت كشوفاته ! ، الحقيقة أن العمل الفني لا يغمض ليقول لك لغزاً تحلّه ، لكنه يغمض لأن سطحه طبقة أخيرة منجزة للثبات ، لكن تحتها طبقات كثيرة هي الأشياء قبل ثباتها ثم قبل وثوبها ، الأشياء الأولى ، اللحظة التي سبقت لحظة البدء في العمل ، حيث الأشياء كلها و المواضيع كلها و النغمات كلها مضروبة بجدول تخيلاتها و احتمالاتها إلى ما لا نهاية ، حيّة تتنفس ، و لم تُستبعد مقموعة من العمل الفني في شكله النهائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.